وادي الموت: من يموّل العبور من المختبر إلى المريض

يقوم الجزء الأكبر من هذه المقالة على كتاب Will Alaynick (ويل ألاينيك) Venture Capital for Life Scientists (رأس المال المغامر لعلماء الحياة)، الذي يشرح عالم تمويل علوم الحياة من الداخل.[1] أضفنا إليه شواهد وأرقاماً موثقة من مصادر مستقلة، وأعدنا تأطير المادة لقارئ البدايات.

صفقة بمصافحة

في خريف 1976 جلس روبرت سوانسون (Robert Swanson)، الشريك الشاب في صندوق كلاينر بيركنز (Kleiner Perkins)، إلى الباحث هربرت باير (Herbert Boyer) من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، ليقنعه بأن تقنية الحمض النووي المعاد تركيبه أو المأشوب (recombinant DNA)، وهي تقنية تتيح دمج قطع من مادة وراثية من كائنين مختلفين في جزيء واحد لتجعل خلية تنتج بروتيناً ليس من صنعها أصلاً، قد تكون صناعة كاملة تنتظر من يولدها. خرج الرجلان من اللقاء وقد اتفقا على تأسيس شركة بمئة ألف دولار فقط من الصندوق، في صفقة حسمتها مصافحة في لقاء غير رسمي. كانت تلك بداية جينينتك (Genentech)، الشركة التي أثبتت خلال أربع سنوات أن ميكروباً معدلاً وراثياً يستطيع أن يصنع بروتيناً بشرياً، ثم طرحت أسهمها للاكتتاب العام عام 1980، فقفز سهمها من 35 إلى 88 دولاراً في أول ساعة تداول، وبلغت قيمتها قرابة ثلاثمئة مليون دولار قبل أن تجني ربحاً واحداً.[2] بهذه الواقعة وُلدت صناعة التقانة الحيوية (البايوتيك) في كاليفورنيا ثم في العالم، ومعها وُلد نمط تمويل صار اليوم المحرك الخفي وراء معظم الأدوية الجديدة.

حصل باير وزملاؤه الشبان على مال ما كان أي مصرف ليقرضه، فكرة بلا منتج ولا إيراد ولا أصل يضمن القرض. تنازلوا في المقابل عن حصة من الملكية الفكرية وعن جزء من القرار في توجيهها. هذه هي المقايضة التي تقوم عليها صناعة رأس المال المغامر (Venture Capital): مال مستعد لتحمل مخاطرة ترفضها المؤسسات المالية التقليدية، مقابل ملكية وسلطة تنتقلان تدريجياً بعيداً عن المؤسس. ولأن علوم الحياة من أكثر المجالات نهماً للمال وأطولها زمناً وأعلاها احتمالاً للفشل، صار هذا النموذج الأكثر اتباعاً أمام باحث يطمح إلى تحويل اكتشافه إلى دواء.

لنتتبع هذه المقايضة عبر مثال نعود إليه في كل محطة: باحثة مؤسِسة طورت في مختبرها علاجاً جينياً لمرض وراثي نادر، وقررت أن تخرج به من الورقة العلمية إلى المريض. ما الذي يحدث حين تطرق باب المستثمر؟ لماذا لا تجد باباً سواه، وكيف يُمحَص علمها وفكرتها قبل أن يكتب لها شيكاً؟ أما ما الذي يطلبه المال مقابل مخاطرته حين يدخل، وما الذي تدفعه هي ثمناً، فموضوع الجزء الثاني.

اقتصاد المخاطرة: حين لا يقرض أحد فكرة بلا ضمان

تبدأ معضلة الباحثة المؤسِسة من رقم بسيط: المسار من فكرة مخبرية إلى دواء موافق عليه يستغرق عقداً أو يزيد، ويبتلع مئات الملايين من الدولارات موزعةً على جولات تمويل متتابعة، واحتمال أن يصل المرشح الدوائي إلى السوق لا يتجاوز واحداً من عشرة في كثير من المجالات. وطوال هذا العقد لا تنتج الشركة إيراداً، ولا تملك مصنعاً ولا عقاراً تضمن به قرضاً. كل ما تملكه أصول غير ملموسة: براءات اختراع، وبيانات، وعقول. أمام هذا الواقع المقلق يصمت المصرف، لأن نموذجه قائم على إقراض مضمون بأصل أو بتدفق نقدي، وكلاهما غائب. هنا يدخل رأس المال المغامر اللعبة بوصفه الطرف الوحيد المستعد لمبادلة المال بحصة من الملكية، راضياً بأن يخسر استثماره كاملاً إن فشل المشروع، طامعاً في أن تتضاعف حصته أضعافاً إن نجح. ومن هذا الاستعداد للمجازفة جاءت التسمية: المال المغامر أو الجريء.

تُعرَف هذه الفجوة في أدبيات صناعة التقانة الحيوية باسم وادي الموت (Valley of Death)، وهي المنطقة التي يصير فيها المشروع أنضج من أن يُموَل بمنحة أكاديمية، وأخطر من أن يجتذب استثماراً من مؤسسة مالية تقليدية. كثير من الاكتشافات الواعدة تموت في هذه المرحلة الحرجة حين لا يجد الباحث من يموِل الخطوة التالية المكلفة التي تثبت جدوى الاكتشاف. وقد حاولت الحكومات ردم هذا الوادي بأدوات غير مخفِفة للملكية، أي لا تأخذ حصة من الشركة، من أبرزها برنامج منح الأبحاث للشركات الصغيرة (SBIR) في الولايات المتحدة منذ 1982، ثم وكالة المشاريع البحثية المتقدمة للصحة (ARPA-H) حديثاً. وتلعب المؤسسات المرضية دوراً مماثلاً، كما فعلت مؤسسة التليف الكيسي حين ضخت نحو مئة وخمسين مليون دولار في شركة فيرتكس (Vertex) لتطوير علاج غيَر مسار المرض، ثم باعت حقوق الإتاوات عنه عام 2014 بثلاثة مليارات وثلاثمئة مليون دولار.[3] غير أن هذه البدائل، على أهميتها، تكفي لتمويل البرهان المبكر لا المسار كله، إذ تبقى التجارب السريرية في مراحلها المتأخرة بمئات الملايين خارج قدرتها، فيظل الباب الكبير موارباً على رأس المال المغامر وحده.

ما يجعل هذا الباب مركزياً أن رأس المال المغامر هو المولِد الرئيس لجل الابتكار الدوائي. تشير بيانات معهد آي كيو فيا (IQVIA Institute) إلى أن الشركات الناشئة الصغيرة (Emerging Biopharma)، أي ذات الإنفاق البحثي والإيراد المحدودين، كانت وراء نحو 65% من العقاقير الجديدة التي أُطلِقت في السوق الأمريكية خلال السنوات الخمس المنتهية في 2024، وأنها باتت مسؤولة عن قرابة ثلثي مشاريع التطوير الدوائي الجارية.[4] أي أن الشركات الكبرى هجرت مساحة الابتكار داخل جدرانها واكتفت باستحواذ شركات صغيرة موَلها رأس المال المغامر حتى نضجت ثمارها. في مقال سابق على هذه المنصة تساءلنا لماذا يكلف الدواء الجديد قرابة ملياري دولار، وفككنا تقديرات كلفة البحث والتطوير. والسؤال الذي نكمله هنا هو الوجه الآخر للعملة: من يضع هذين المليارين أصلاً، قبل أن يوجد الدواء، وعلى أي أساس يقبل أن يخاطر بهما؟ والجواب يبدأ من أن المخاطرة نفسها لا تُقبَل على غير هدى، بل تخضع لتمحيص دقيق هو خط الدفاع الأول للمستثمر. لكن قبل أن نفهم كيف يمحِص المستثمر، يلزمنا أن نعرف من هو هذا المستثمر أصلاً، ومن أين يأتي المال الذي يضخه.

من أين يأتي المال ومن يديره؟

حين نقول إن صندوق رأس المال المغامر ضخ عشرة ملايين دولار في شركة ناشئة، يسهل أن نتخيل أن من يوقع الشيك ينفق من جيبه الخاص. الحقيقة أن الصندوق الاستثماري في معظمه وسيلة لإدارة المال نيابةً عن غيره. فالمبلغ الذي يستثمره مجموع لا يخص الشريك الذي جلس إلى الباحثة، بل جمعه قبل سنوات من مؤسسات كبرى أودعته لديه لتنميته. هذه المؤسسات تسمى الشركاء المحدودين (Limited Partners)، وهي عماد الصناعة المالي الذي لا يظهر في صورة المصافحة.

من هم هؤلاء الشركاء المحدودون؟ في الغالب صناديق تقاعد تدير معاشات ملايين الموظفين، وأوقاف جامعية كبرى مثل وقف جامعة ييل الذي خصص جزءاً معتبراً من أصوله لهذا الصنف من الاستثمار، وشركات تأمين، ومكاتب عائلية تدير ثروات الأسر شديدة الغنى، وصناديق ثروة سيادية تستثمر أموال الدول. هؤلاء يخصصون حصة محسوبة من محافظهم الضخمة لفئة الأصول البديلة عالية المخاطرة، طمعاً في عائد يفوق ما تمنحه الأسهم والسندات، وقبولاً بأن يبقى مالهم محبوساً عقداً كاملاً لا يستطيعون سحبه. يضع الشريك المحدود الواحد عادةً ما بين خمسة وخمسين مليون دولار في الصندوق، ثم لا يتدخل في قرار استثمار بعينه، بل يكتفي بتقارير دورية عن مصير ماله.

أما من يدير المال فهم الشركاء العامون (General Partners)، أي فريق الصندوق الذي يتخذ كل قرار: أي شركة يموِلها، وبأي سعر، وبأي شروط، ومتى يخرج. ينظَم هذا كله في كيان قانوني هو الشراكة المحدودة، عمرها نحو عشر سنوات تنتهي بتصفية الصندوق وإعادة المال وأرباحه إلى الشركاء المحدودين، ويحكمها عقد يفاوَض عليه عند التأسيس يسمى اتفاقية الشراكة المحدودة، يرسم حقوق كل طرف ورسومه وحصته من الأرباح. ويلتزم الشركاء العامون عادةً بضخ جزء صغير من أموالهم الخاصة في الصندوق، حتى تكون لهم حصة شخصية في المخاطرة.

في مقابل هذه الإدارة يتقاضى الشركاء العامون أجراً ذا شقين، يعرف في الصناعة باسم «اثنان وعشرون»: رسم إدارة سنوي قدره نحو 2% من رأس المال الملتزم به يغطي رواتب الفريق ونفقات التشغيل، وحصة من الأرباح قدرها نحو 20% تسمى الفائدة المحمولة (Carried Interest)، لا يقبضها الفريق إلا بعد أن يسترد الشركاء المحدودون رأس مالهم كاملاً. هذا الترتيب يفسر سلوك المستثمر الذي سنراه في بقية المقال: حين يجلس الشريك العام إلى الباحثة المؤسِسة، فهو لا يخاطر بماله الشخصي وحده، بل بمال صناديق التقاعد والأوقاف التي ائتمنته، وهو مسؤول أمامها مسؤوليةً قانونيةً وأخلاقيةً عن كل دولار يضعه.

المجهر قبل الشيك: تشريح الفكرة قبل الرهان عليها

قبل أن يوقع المستثمر الشيك الأول، تخضع الباحثة المؤسِسة وفكرتها لعملية تسمى التحري الواجب (Due Diligence)، وهي تحقيق منهجي في كل ادعاء وكل أصل وكل خطر. جوهر هذه العملية أنها لا تلغي الخطر، فالخطر ملازم لطبيعة العمل، بل تكشفه وتقيس حجمه لتقرر إن كان محتملاً ضمن استراتيجية الصندوق. وتمتد على خمس طبقات متكاملة. الأولى علمية: هل تدعم البيانات ما يقال، وهل النتائج قابلة للتكرار؟ يعيد المستثمر تحليل النتائج مستعيناً بخبراء مستقلين، وقد يطلب أن تُكرَر التجارب الحاسمة في مختبر محايد.

الطبقات الأربع الباقية تكمل الصورة. ثانيتها الملكية الفكرية وحرية العمل (Freedom to Operate): هل تملك الشركة براءاتها فعلاً، وهل تستطيع تصنيع منتجها وبيعه دون أن تنتهك براءة غيرها؟ وثالثتها المسار التنظيمي: كم تجربة تبقت أمام المنتج، وما احتمال أن يضع المنظم يده عليه فيوقفه؟ ورابعتها السوق والمال: حتى لو نجح العلم وحصل على الموافقة، هل يصير عملاً مربحاً، وكم تحرق الشركة من نقد شهرياً، وكم يكفيها ما لديها؟ وخامستها الفريق، التي يعدها كثير من المستثمرين الأهم على الإطلاق، إذ يفحصون خبرة المؤسسين ونزاهتهم وقدرتهم على التنفيذ، عبر مكالمات مرجعية مع زملاء سابقين وتدقيق في السير. وتجري هذه الفحوص داخل ما يسمى غرفة البيانات (Data Room)، وهي مستودع رقمي آمن تودع فيه الشركة وثائقها، وما يرافقها من جلسات أسئلة وأجوبة. وهنا يتحول التحري الواجب من اختبار للمعلومة إلى اختبار للشخصية: المؤسس الذي يضع كل شيء على الطاولة، ويعترف بالخطر ويشرح خطته لاحتوائه، يكسب الثقة، والذي يراوغ أو يبالغ في التفاؤل يفقدها.

أوضح ما يجسد ثمن إهمال هذا التمحيص قصة ثيرانوس (Theranos)، الشركة التي بلغت قيمتها تسعة مليارات دولار على وعد بثورة في تحاليل الدم من وخزة إصبع. لم يكن للوعد سند علمي منشور، ولم يصر أكثر المستثمرين على رؤية الجهاز يعمل أو على تحكيم خبير مستقل في التقنية، فمضوا في ضخ الأموال مبهورين بشخصية المؤسِسة، اليزابيث هولمز التي تقمصت شخصية ستيف جوبز لكن بلا موهبة أو سند علمي، وبأسماء مجلس الإدارة اللامعة، وكان معظمهم بلا خبرة في التشخيص المخبري. جمعت الشركة أكثر من سبعمئة مليون دولار قبل أن تنهار ويخسر المستثمرون أموالهم، وأُدينت مؤسِستها بالاحتيال.[5] واللافت أن صناديق التقانة الحيوية العريقة هي التي نجت من الفخ، لأنها طرحت الأسئلة الصحيحة مبكراً وتنبهت للخدعة، وهو درس يلخص ضرورة التحري الواجب.[5]

يبقى أن يترجم المستثمر هذا التمحيص إلى رقم، وهنا تبرز معضلة تقييم شركة بلا إيراد ولا مبيعات، إذ تعجز مقاييس المحاسبة التقليدية عن قياس قيمة ما لم يوجد بعد. لذلك يبدأ المستثمر من النهاية المتوقعة لا من الحاضر: ينطلق من الخروج المنشود للشركة ثم يحسب رجوعاً ما يلزمه اليوم. فلو وضع عشرة ملايين دولار في الشركة، وأراد أن يستردها عشرة أضعاف عند بيعها بعد سنوات، أي مئة مليون، وكان البيع المتوقع للشركة كلها عند ذلك الحين نحو أربعمئة مليون، فإن حصته يجب أن تساوي مئة من أربعمئة، أي ربع الشركة، لأن ربع قيمة البيع المتوقعة هو وحده ما يحقق له العائد الذي يطلبه. ولأن جولات التمويل اللاحقة ستخفف هذه الحصة وتقلصها مع دخول مستثمرين جدد، فإنه يطلب اليوم أكثر من الربع، نحو الثلث، ليبقى له الربع بعد التخفيف. على هذا الأساس تُحسَب قيمة الشركة قبل دخول المال وبعده، ويتحدد مقدار ما تتنازل عنه الباحثة من شركتها مقابل ما تحتاجه من تمويل.

حدود المجهر: حين تخدع البيانات من يفحصها

يسهل أن يفهم مما سبق أن التحري الواجب أداة شديدة الإحكام، وأن من يقع في الفخ كثيراً ما يكون مستثمراً تكاسل عن واجبه الاستثماري، لكن الحقيقة أعقد من ذلك. التمحيص يقيس الخطر ولا يلغيه، وقد يفشل أحياناً لأن المادة المعروضة عليه تخدعه بطبيعتها. وحين ننظر في حالات الفشل نجدها تتوزع على ثلاثة أنواع متمايزة، يشترك ظاهرها وتختلف جذورها، ولكل منها علاج مختلف.

النوع الأول هو الخداع المتعمد، حيث تُزوَر البيانات أو تُحجَب عمداً، وتُغلَف المراوغة بدعوى حماية الأسرار التجارية. هذا وجه ثيرانوس الذي مر بنا: شركة صرفت طاقتها على إخفاء أن جهازها الوهمي لا يعمل، لا على إثبات فعاليته. وهو أوضح الأنواع وأندرها، فالكذب الصريح يحتاج إلى تواطؤ يصعب إخفاؤه طويلاً، والمدقق المتمرس يلتقط رائحته في المراوغة عن الأسئلة المباشرة وفي رفض إخضاع التقنية لاختبار محايد.

النوع الثاني أخف وطأةً وأكثر شيوعاً، وهو الانتقائية التي تُري صاحبها ما يتمناه. هنا تعرض الشركة تجاربها الناجحة وتغفل التي فشلت، أو تبرز التحليل الذي أعطى نتيجة لافتة وتهمل عشرات التحليلات التي لم تعط شيئاً. وكثيراً ما يكون هذا الفعل غير مقصود تماماً، نتاج تحيز بشري يدفع الباحث إلى التعلق بالنتيجة التي تؤكد فرضيته وإلى تضخيم دلالتها. هذا النوع أصعب على الكشف من الكذب الصريح، حيث أن كل قطعة من البيانات صحيحة في ذاتها، فيقع الخلل فيما حُذِف لا فيما عُرِض.

النوع الثالث هو الأعمق والأخطر، لأنه لا يتضمن سوء نية على الإطلاق. بيانات صادقة تماماً، جمعها باحثون بحسن نية، ونشروها في دورية علمية محكمة مرموقة، ومع ذلك تنهار حين يُبنى عليها مشروع دوائي. السبب أن منطق المكافأة في العالم الأكاديمي يخالف منطق صناعة الدواء. الورقة العلمية تكافأ على الإثارة وأسبقية الاكتشاف، لا على المتانة وقابلية التكرار، فكثير من الدراسات يقوم على عينات صغيرة، وضوابط غير كافية، وتحليلات تقرأ بأثر رجعي لتلتقط نمطاً قد يكون محض صدفة. النتيجة التي تثبت في مختبر واحد تحت يد بعينها لا يلزم أن تثبت حين تنقل إلى سياق صناعي يتطلب تكراراً منضبطاً على نطاق أوسع.

أوضح برهان على أن هذه ليست نوادر فردية بل خاصية في طبيعة العلم المنشور جاء من داخل الصناعة نفسها. حين حاول باحثون في شركة أمجن (Amgen) إعادة إنتاج ثلاث وخمسين دراسة مرجعية في بيولوجيا السرطان، وهي دراسات منشورة ومستشهد بها وموجِهة لاتجاهات بحثية كاملة، لم ينجحوا في تأكيد إلا ست منها، أي أن نحو 90% لم تتكرر.[6] لم تفاجئ هذه النتيجة كثيرين في المجال، إذ كانت أشبه بالسر المباح: فجوة بنيوية بين ما يُعد معرفة راسخة في الورقة العلمية وما يصمد فعلاً حين تراهن عليه ملايين الدولارات.

أمام هذه الأنواع الثلاثة طورت الصناعة استراتيجيات تحد من الخداع وإن لم تلغه. أمتنها الإصرار على أن تُكرَر التجربة المفصلية في مختبر محايد مستقل عن الشركة، فما يصمد تحت يد أخرى يستحق الثقة، وما لا يصمد يسقط مبكراً قبل أن يحرق أموال المستثمرين. ويسند هذا بالاستعانة بخبراء متخصصين في المجال الدقيق لا بمحللين عموميين، لأن من يعرف تفاصيل العلاج الجيني وحده يميز النتيجة المتينة من اللافتة الهشة. وتطلب الصناديق العريقة الراسخة البيانات الخام لا ملخصاتها، كون الانتقائية تختبئ في المسافة بين ما جُمِع وما عُرِض. ومن أذكى الأدوات ربط المال بمحطات: بدل ضخ المبلغ كاملاً، يقسَم إلى دفعات تطلَق كل واحدة منها عند تحقق محطة تختبر عندها صحة الادعاء على أرض الواقع، فيتحول التمويل نفسه إلى تمحيص ممتد يكشف هشاشة البيانات تدريجياً، وهي آلية نعود إليها مفصلة في الجزء الثاني. يبقى العائق الأخير والذي تشترك فيه القطاعات الاستثمارية في شتى المجالات: حمى الخوف من فوات الفرصة، حين يندفع المستثمرون وراء صفقة رائجة خشية أن يسبقهم غيرهم، فيتجاوزون التمحيص في لحظة حماسة جماعية. وقد كان هذا، لا نقص الأدوات، ما أوقع كثيرين في فخ ثيرانوس.

ما بعد القبول

بعد أن تجتاز الباحثة المؤسِسة المجهر بطبقاته الخمس، وتنجو من الأنواع الثلاثة التي تسقط غيرها، وتقنع المستثمر بأن بياناتها تقف على أرض صلبة وفريقها مؤهل وسوقها واعد، تكون قد بلغت لحظةً تبدو خاتمةً لرحلتها، وهي في حقيقتها مفتتح رحلة أصعب. الشيك الذي انتظرته لا يأتي وحده، بل يأتي محملاً بوثيقة تكتب على طاولة التفاوض تسمى ورقة الشروط، وفيها ترسم موازين القوة التي ستحكم الشركة في سنواتها المقبلة. فالتحري الواجب كان سؤالاً عن جدارة الفكرة بالمال، أما ورقة الشروط فسؤال عن ثمن هذا المال: كم تتنازل المؤسِسة من ملكيتها، وأي القرارات يبقى بيدها وأيها ينتقل إلى المستثمر، وماذا يحدث لحصتها إن نجحت الشركة وإن تعثرت. تلك الأسطر التي تبدو تفاصيل قانونية جافة هي ما يقرر فعلاً من يملك الشركة ومن يحكمها، وهي موضوع الجزء الثاني من هذا المقال.

المراجع

[1] Alaynick W. Venture Capital for Life Scientists: How to Work With, For, Start, or Invest in a Venture Capital Firm. 2025. ISBN-13: 979-8993889917.

[2] Kleiner Perkins. Genentech: pioneering medical breakthroughs with biotechnology. Available from: kleinerperkins.com

[3] Cystic Fibrosis Foundation. Our venture philanthropy model. Available from: cff.org

[4] IQVIA Institute for Human Data Science. Expanding options for emerging biopharma in the U.S.: a decade of change. 2025. Available from: iqvia.com

[5] U.S. Securities and Exchange Commission. Theranos, CEO Holmes, and former president Balwani charged with massive fraud [press release]. 2018 Mar 14. Available from: sec.gov

[6] Begley CG, Ellis LM. Drug development: raise standards for preclinical cancer research. Nature. 2012;483(7391):531–533. DOI: 10.1038/483531a

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *