أعلنت شركة سانوفي (Sanofi) الفرنسية في العاشر من يونيو 2026 إيقاف دراسة MOBILIZE من المرحلة الثالثة قبل اكتمالها، بعد أن نظرت لجنة مستقلة لمراقبة البيانات في نتائج أولية فخلصت إلى أن الدواء المرشح ريليبروبارت (riliprubart) ‹من غير المرجح أن يحقق فعالية كافية›. كان الدواء يختبر في مرضى اعتلال الأعصاب المتعدد المزيل للميالين المزمن (CIDP)، وهو مرض مناعي ذاتي نادر يهاجم فيه الجهاز المناعي الغلاف العازل الذي يحيط بالأعصاب الطرفية، ويدعى الميالين، فتتعطل الإشارات العصبية ويصاب المريض بضعف تدريجي وفقدان للإحساس في يديه وقدميه. أما آلية عمل ريليبروبارت فتقوم على تعطيل حلقة بعينها في سلسلة من الإنذار المناعي تسمى المتممة (complement)، وهي مجموعة من البروتينات في الدم تنشط على هيئة تفاعل متتابع للمساعدة في مهاجمة ما يعده الجسم خطرا؛ والدواء جسم مضاد وحيد النسيلة صمم ليثبط أحد هذه البروتينات، وهو C1s، فيكبح هذا الإنذار المفرط الذي يضر الأعصاب. والمرضى الذين شملتهم الدراسة المتوقفة هم الأصعب علاجا: من لم يستجيبوا للأدوية المتاحة لهذا المرض، كأدوية الغلوبولين المناعي والكورتيزون، والتي تعرف مجتمعة بالعلاج القياسي (standard of care)، أي ما يصفه الأطباء عادة كخط أول.
وMOBILIZE تجربة عالمية متعددة المراكز صممت على نحو صارم: عشوائية مزدوجة التعمية محكومة بدواء وهمي، وزع فيها نحو 140 مريضا بالتساوي بين من يتلقى ريليبروبارت ومن يتلقى الدواء الوهمي على مدى 24 أسبوعا، دون أن يعرف المريض ولا الطبيب أيهما يتلقى المريض، حماية للنتيجة من التحيز. وكان المقياس الذي يحكم به على نجاح الدواء قياس التحسن في درجة الاعاقة الحركية بعد ستة أشهر. وقد تضمن التصميم تحليلا مؤقتا مخططا له يقيم جدوى الاستمرار في منتصف الطريق، وهو التحليل نفسه الذي أوصى بالتوقف.[1]
ولم تحسم الشركة بعد مصير دراستها الثانية VITALIZE، التي تقارن الدواء بالغلوبولين المناعي الوريدي، وهو محلول من أجسام مضادة يستخلص من دم آلاف المتبرعين ويعطى عبر الوريد لتعديل استجابة المناعة، في مجموعة أخرى من المرضى استجابت للعلاج القياسي. جدير بالذكر أن اللجنة لم ترصد أي إشارة سلبية تتعلق بأمان الدواء؛ كان القرار بإيقاف الدراسة نابعا من محدودية الفعالية.[2][3]
لماذا يهمنا
هذا الخبر يأتي ضمن سلسلة إخفاقات سريرية لاحقت شركة سانوفي حتى أفضت إلى إقالة رئيسها التنفيذي بول هدسون (Paul Hudson) مطلع 2026، بعد تعثر علاجات أخرى لها في الربو والصدفية والانسداد الرئوي المزمن. كان محللو جوجنهايم (Guggenheim) قد عدوا ريليبروبارت أحد الأصول التي قد ترفع قيمة الشركة عام 2027، بمبيعات متوقعة عام 2033 تناهز 480 مليون يورو (555 مليون دولار)، وهو رقم يوضح حجم ما يفقد حين تتعثر تجربة واحدة. لكن الأهمية الأعمق تتجاوز ميزانية شركة بعينها، إذ يعيد فشل الدواء في المجموعة الأصعب رسم المنافسة في سوق هذا المرض. فهو يبقى مصنعي الغلوبولين المناعي مثل CSL Behring وجريفولز (Grifols) بلا منافسة تقريبا و يبقى منتجهم الخيار القائم، كما يعزز موقع أرجينكس (Argenx) صاحبة العلاج المعتمد فيفجارت (Vyvgart)، فيما تواصل شركات أصغر مثل ديانثوس (Dianthus) دفع أدوية تعمل بالآلية ذاتها في تجاربها، على أمل أن تنجح حيث تعثر منافسها الأكبر.[2]
كيف نقرأه
اللافت أن الدواء بدا واعدا في المرحلة الثانية: تحسن نحو 87% من المرضى الذين تحولوا إليه من العلاج القياسي أو ظلوا مستقرين، وبدا مفيدا حتى في المرضى الذين لم يستجيبوا لذلك العلاج، ثم خذلت المرحلة الثالثة هذا الوعد في المجموعة الأصعب. وهذه الفجوة بين بشارة مبكرة ونتيجة حاسمة مخيبة هي القاعدة لا الاستثناء في تطوير الدواء. فالمراحل المبكرة تجرى على أعداد قليلة وبلا مجموعة مقارنة صارمة، وكثيرا ما تبدو النتائج فيها أفضل مما يظهر في التجربة الكبيرة المضبوطة. وهذا التحديد جانب من تفسير الكلفة الباهظة التي تناولناها في «لماذا يكلف الدواء الجديد ملياري دولار؟»، لأن التجارب التي تفشل في المرحلة المتأخرة، حيث يكون الإنفاق أضخم، هي ما يرفع فاتورة الأدوية التي تنجح في النهاية.
على أن للإخفاق وجها آخر حين نتجاوز البعد الاقتصادي وننظر في الجانب العلمي الطبي. فالمناعة الذاتية اضطراب شديد التعقيد، وعليه فتعطيل حلقة واحدة من حلقاتها، هنا البروتين C1s، قد لا يكفي لإيقاف المرض عند المرضى الذين بلغ بهم المرض أشده. ومع ذلك تبقى المناعة الذاتية أحد أكثر الميادين وعدا في صناعة الدواء، وأكثرها مكرا، إذ لا يكفي أن يصيب الدواء هدفه الجزيئي بدقة، بل ينبغي أن يكون ذلك الهدف هو المحرك الحقيقي للمرض، وهذا فارق دقيق يفصل غالبا بين تجربة تنجح وأخرى تتوقف قبل أوانها. وهكذا يعلمنا تعثر هذه التجربة درسا عن المرض نفسه، إذ يرجح أن البروتين C1s ليس وحده ما يحرك الاعتلال، وأن مسارات مناعية أخرى تظل فاعلة لدى المرضى الأشد إصابة، وهو ما يوجه البحث القادم نحو أهداف أو توليفات علاجية مختلفة.
يبقى أن نفهم لماذا تبدأ شركة كبرى بمرض نادر كهذا أصلا. الأمراض النادرة بوابة مألوفة لاختبار دواء جديد وترخيصه: يثبت المرشح أولا في مرض محدود الانتشار، حيث الحاجة ماسة والمنافسة أقل والطريق التنظيمي أسرع، ثم يختبر بعد نجاحه في أمراض أوسع انتشارا. ولو كان ريليبروبارت قد أثبت جدواه في اعتلال الأعصاب المزمن هذا، لكانت الخطوة المنطقية التالية اختباره في أمراض مناعية عصبية أكثر شيوعا كالتصلب المتعدد (multiple sclerosis). وهكذا يتجاوز معنى تعثر تجربة واحدة حدود ذلك المرض النادر؛ فهو يغلق، أو يؤجل على الأقل، بابا كان قد يفضي إلى علاج شريحة أوسع من المرضى.
- 1 A phase 3, double-blind, placebo-controlled study evaluating efficacy and safety of riliprubart in participants with refractory chronic inflammatory demyelinating polyneuropathy (MOBILIZE). ClinicalTrials.gov identifier: NCT06290128. Bethesda (MD): U.S. National Library of Medicine. Available from: clinicaltrials.gov
- 2 Taylor NP. Sanofi halts phase 3 autoimmune trial early over insufficient efficacy as pipeline woes continue. Fierce Biotech. June 10, 2026. Available from: fiercebiotech.com
- 3 Sanofi. Sanofi provides update on MOBILIZE phase 3 study of riliprubart in chronic inflammatory demyelinating polyneuropathy. Press release. Paris: Sanofi; June 10, 2026. Available from: sanofi.com
البدايات · albidayat.com · قراءات

