في صيف عام 2019، استلقت فيكتوريا غراي على سرير في معهد سارة كانون للأبحاث في ناشفيل بولاية تينيسي، تنتظر أن تعود إليها خلاياها. كانت أمّاً لأربعة أطفال من بلدة فورست في ولاية ميسيسيبي، شُخّصت بفقر الدم المنجلي وعمرها ثلاثة أشهر، وعاشت أربعة وثلاثين عاماً في دوّامة لا تهدأ: نوبات ألم تنقضّ دون سابق إنذار، تبدأ في ساقها أو ذراعها ثم تعبر إلى الطرف الآخر، وتنتهي في غرفة الطوارئ بأكياس دم ومورفين. كل عام تمرّ فيه تزداد الإقامات في المستشفى، وترتفع جرعات المسكّنات، ويضيق هامش الحياة الطبيعية. كانت تكافح لرعاية أطفالها، ولم تستطع إتمام دراستها ولا الاحتفاظ بوظيفة، وتوقفت في مرحلة ما عن التخطيط للمستقبل لأنها شعرت أنه لا مستقبل لها لتخطط له.
في عام 2018، عرض عليها طبيبها حيدر فرنجول خياراً لم يُجرَّب على بشر من قبل: استخراج خلايا من نخاع عظمها، وتعديل حمضها النووي في المختبر بتقنية اسمها كريسبر (CRISPR)، ثم إعادتها إلى جسدها. وافقت. في الثاني من يوليو 2019، تلقّت مئات الملايين من الخلايا المعدّلة جينياً عبر الوريد، فأصبحت أول مريضة بفقر الدم المنجلي في العالم تُعالَج بتحرير الجينوم. بعد أشهر من الترقب، استيقظت ذات صباح ولم تجد الألم المعتاد. قالت لاحقاً إنها قرصت نفسها لتتأكد أنها لا تزال قادرة على الإحساس بالألم أصلاً. مرّ يوم كامل دون نوبة، ثم أسبوع، ثم شهر. بعد أربع سنوات من العلاج، وقفت فيكتوريا أمام القمة الدولية الثالثة لتحرير الجينوم البشري في لندن وقالت: «كنت قد توقفت عن الحلم، الآن أستطيع أن أحلم من جديد دون قيود».
لم يكن هذا العلاج ممكناً لولا سلسلة من الاكتشافات تمتد على مدى سبعة عقود، بدأت بصورة فوتوغرافية التقطتها عالمة بريطانية لم تحصل على التقدير الذي تستحقّه، ومرّت بمشروع دولي كلّف 2.7 مليار دولار لقراءة ثلاثة مليارات حرف وراثي، ثم بمقصّ جزيئي اكتُشف بالصدفة في بكتيريا ولم يُدرك أحد وظيفته لعقد كامل. هذه السلسلة من ثلاث مقالات تتتبع ذلك المسار: كيف تعلّمنا قراءة الجينوم، ثم تحريره، ثم إعادة كتابته لعلاج المرضى. في هذا الجزء الأول، نبدأ من قراءة الجينوم.
أُرفق بنهاية هذه المقالة ملحق مصطلحات يشرح المفاهيم العلمية الأساسية الواردة في النص. يتوسّع هذا الملحق في الجزأين الثاني والثالث من السلسلة مع كل مفهوم جديد يرد في سياق المقالة.
صورة لم تُنسب إلى صاحبتها
في الخامس والعشرين من أبريل 1953، نشرت مجلة Nature ورقة بحثية من 842 كلمة فقط، وقّعها جيمس واطسون وفرانسيس كريك (James Watson & Francis Crick)، تقترح أن جزيء الحمض النووي الريبوزي المنقوص الأكسجين (DNA) يتخذ شكل لولب مزدوج. لم تتضمن الورقة تجربة واحدة أصيلة؛ كانت نموذجاً نظرياً بُني في جزء كبير منه على بيانات تجريبية لم تكن ملكاً لمؤلفيها.[1]
تلك البيانات جاءت من مختبر روزاليند فرانكلين (Rosalind Franklin) في كلية كينغز بلندن. فرانكلين، عالمة الكيمياء الفيزيائية، كانت تتقن تقنية تُعرف بحيود الأشعة السينية (X-ray Diffraction)، وهي طريقة تُسلّط فيها حزمة أشعة سينية على بلّورة فتنحرف بأنماط هندسية يمكن تحليلها رياضياً للكشف عن ترتيب الذرات داخل الجزيء. كان الهدف فهم بنية الحمض النووي: جزيء يتألف من خيطين طويلين ملتفّين حول بعضهما، كل منهما سلسلة من وحدات تتكون من سكّر (Deoxyribose) ومجموعة فوسفات تشكّلان معاً ما يشبه العمود الفقري للسلسلة، وعلى كل وحدة سكّر ترتبط واحدة من أربع قواعد كيميائية. الخيطان يلتصقان عبر روابط هيدروجينية بين القواعد المتقابلة وفق قاعدة ثابتة: الأدينين يقابل دائماً الثايمين، والسايتوزين يقابل دائماً الغوانين. هذا التكامل هو ما يجعل من كل خيط نسخة معكوسة للآخر، وهو ما يسمح للخلية بنسخ الجينوم بدقة عند الانقسام.[2]
انضمت فرانكلين إلى المختبر عام 1950 قادمةً من باريس، وعملت مع طالب الدكتوراه ريموند غوسلينغ (Raymond Gosling) على ضبط رطوبة عيّنات الحمض النووي بدقة بالغة. هذا الضبط كان حاسماً لأنه كشف أن الجزيء يتخذ شكلين مختلفين بحسب محتواه المائي: الشكل A الذي يظهر حين تجفّ العيّنة، والشكل B الذي يظهر في ظروف رطوبة مرتفعة ويمثّل الحالة الطبيعية للجزيء داخل الخلية الحية. عزل الشكل B وتصويره بمعزل عن الشكل A هو ما سمح لفرانكلين بالتقاط صورة واضحة بما يكفي لتكشف البنية اللولبية.[2]
في الثاني من مايو 1952، التقطت فرانكلين وغوسلينغ ما سيُعرف لاحقاً بالصورة 51. تطلّب التقاطها نحو مئة ساعة متواصلة من تعريض العيّنة للأشعة السينية، لأن الإشارة المنعكسة عن جزيئات فردية ضعيفة للغاية ولا تُنتج نمطاً مقروءاً إلا بتراكمها عبر ساعات طويلة. النتيجة كانت صورة أظهرت بوضوح البنية اللولبية ووفّرت قياسات حاسمة عن المسافة بين أزواج القواعد وطول دورة اللولب.[2]
في مطلع عام 1953، عرض موريس ويلكنز (Maurice Wilkins) الصورة 51 على واطسون دون علم فرانكلين أو موافقتها. كتب واطسون لاحقاً في مذكراته أن فكّه سقط حين رأى الصورة وأن نبضه تسارع، إذ أدرك فوراً أنها تكشف بنية لولبية لا لبس فيها. وفي الوقت ذاته، شارك ماكس بيروتز تقريراً داخلياً لمجلس البحوث الطبية يتضمن قياسات فرانكلين البلورية غير المنشورة، بما في ذلك تحديدها لنوع التناظر البلوري الذي أخبر كريك أن الخيطين متعاكسا الاتجاه. مسلّحين بهذه المعطيات، تمكّن واطسون وكريك من بناء نموذجهما خلال أسابيع.[1,3]
نُشرت ورقة فرانكلين في العدد نفسه من Nature، لكنها وُضعت في موقع يوحي بأنها تأكيد تجريبي للنموذج النظري لا أساسه الذي بُني عليه. انتقلت فرانكلين لاحقاً إلى كلية بيركبيك لتقود عملاً رائداً على بنية الفيروسات، لكنها توفيت بسرطان المبيض في أبريل 1958 عن سبعة وثلاثين عاماً. حين مُنحت جائزة نوبل في الفسيولوجيا أو الطب عام 1962 لواطسون وكريك وويلكنز، لم يكن ممكناً تكريمها، إذ لا تزال قواعد نوبل حتى اليوم تمنع منح الجائزة لشخص متوفٍّ. وحين نشر واطسون مذكراته The Double Helix عام 1968، رسم صورة مستخفّة بفرانكلين بلغت حدّ الإهانة الشخصية: وصفها بأنها لا تعتني بمظهرها ولا تضع أحمر شفاه، وصوّرها امرأة عدائية صعبة المراس، وقلّل منهجياً من إسهامها العلمي لصالح ويلكنز.[4]


روزاليند فرانكلين و الصورة 51, King’s College London
معاملة واطسون لفرانكلين لم تكن زلة عابرة بل نمطاً يكشف عن خلل أخلاقي أعمق وأشمل. في عام 2007، صرّح لصحيفة The Sunday Times بأنه «متشائم بشأن مستقبل أفريقيا» لأن السياسات الاجتماعية تفترض تكافؤاً ذهنياً بين الأعراق بينما لا تدعم النتائح العلمية ذلك، بحسب زعمه. أُجبر على الاستقالة من رئاسة مختبر كولد سبرينغ هاربور الذي قاده ربع قرن. في عام 2019، أعاد التأكيد على هذه المواقف في فيلم وثائقي لقناة PBS، فجُرّد من آخر ألقابه الفخرية. كان واطسون عالماً لامعاً بلا شك، لكن سجلّه يُذكّر بأن التفوّق العلمي لا يحصّن صاحبه من الخلل الأخلاقي، ولا يمنح أفكاره في غير تخصصه حصانة من النقد. في عام 2023، نشر ناثانيل كومفورت وماثيو كوب مقالة في Nature قدّما فيها حجّة موثّقة بأن فرانكلين كانت مساهمة مكافئة في الاكتشاف لا مجرد ضحية لسرقة علمية.[5,6]
ما الجينوم، وماذا نعني بقراءته؟
قبل أن نتتبع مشروع الجينوم البشري، من الضروري أن نوضّح ما نعنيه بـ«قراءة» الجينوم. الجينوم البشري هو مجمل المادة الوراثية في خلايا الإنسان، مكتوب بأبجدية من أربعة أحرف كيميائية: الأدينين (A) والثايمين (T) والسايتوزين (C) والغوانين (G). يبلغ عدد هذه الأحرف نحو ثلاثة مليارات، موزعة على ثلاثة وعشرين زوجاً من الكروموسومات. لو طبعناها في كتاب بحجم خط عادي لاحتجنا إلى ما يقارب مليون صفحة. لكن هذه الأحرف ليست مرصوصة عشوائياً: بعضها ينتظم في وحدات وظيفية تُسمّى الجينات (Genes)، وكل جين يحمل تعليمات لبناء بروتين أو مجموعة بروتينات محددة. البروتينات هي الآلات التي تؤدي معظم وظائف الجسم، من هضم الطعام إلى مقاومة العدوى إلى نقل الأكسجين في الدم. الجينات نفسها لا تشكّل إلا نحو اثنين في المئة من الجينوم؛ بقية النص تتضمن تسلسلات تنظيمية تتحكم في متى يُقرأ كل جين وأين وبأي كمية، وتسلسلات بنيوية تحافظ على سلامة الكروموسومات، وأجزاء لا تزال وظيفتها محل بحث.
لماذا نريد قراءة هذا النص الهائل؟ لأن فهم الجينات والبروتينات المصنّعة بوحي من شيفرتها يفسّر لنا كيف تعمل الخلية، ويفتح الباب أمام التدخل في مصيرها: تعديلها أو إصلاحها أو هندستها بما يخدم الطب. والأمراض الوراثية تنشأ في كثير من الحالات من خطأ في حرف واحد أو أحرف قليلة ضمن هذه المليارات الثلاثة. قراءة الجينوم تعني تحديد ترتيب هذه الأحرف، حرفاً حرفاً، لتصبح المقارنة ممكنة: أين يختلف جينوم مريض عن جينوم شخص سليم، وهل يقع هذا الاختلاف في جين أو في منطقة تنظيمية حاسمة؟ هذه العملية تُعرف بتسلسل الحمض النووي (DNA Sequencing).
التقنية التي أتاحت ذلك لأول مرة طوّرها فريدريك سانغر (Frederick Sanger) في أواخر السبعينيات، ونال عنها جائزة نوبل الثانية في الكيمياء عام 1980. لنتخيّل آليتها عبر تشبيه: أمامك كتاب ضخم مكتوب بلغة لا تقرأها، لكنك تملك آلة نسخ غريبة. كل مرة تُشغّلها تبدأ بنسخ الكتاب من الصفحة الأولى، لكنها تتوقف عشوائياً في موضع مختلف: مرة بعد الكلمة العاشرة، ومرة بعد المئة، ومرة بعد الألف. لو شغّلتها ملايين المرات، ورتّبت النسخ من الأقصر إلى الأطول، لتكشّفت لك الكلمات واحدة تلو الأخرى. هذا بالضبط ما تفعله تقنية سانغر: تنسخ خيط الحمض النووي في المختبر مع إضافة نسخ معدّلة كيميائياً من القواعد الأربع، صُمّمت بحيث توقف النسخ فور إدراجها في السلسلة الجديدة. النتيجة ملايين الشُّدف الناقصة التي تُفرز حسب طولها فيُقرأ التسلسل. لكن كل عملية نسخ تقرأ بضع مئات من الأحرف فحسب. ثلاثة مليارات حرف بهذه الطريقة؟ الأمر أشبه بنسخ موسوعة بالكامل بقلم رصاص واحد.[7]
مشروع القرن: ثلاثة مليارات حرف في ثلاثة عشر عاماً
بعد ثلاثة عقود من اكتشاف البنية المزدوجة، طرق سؤال جديد مجتمع البيولوجيا الجزيئية: هل يمكن قراءة الجينوم البشري بأكمله؟ بدا الطموح جنونياً بمعايير ذلك العصر، كان قفزة في الفضاء، مشروع أبولو آخر في طبيعة تحدّيه وحجم موارده المطلوبة، لكنها كانت قفزة في عوالم الخلية وفضاءها بدلاً من الفضاء الخارجي. انطلق مشروع الجينوم البشري (Human Genome Project) رسمياً في الأول من أكتوبر 1990، في حقبة لم تكن فيها شبكة الإنترنت متاحة تجارياً بعد، بقيادة جيمس واطسون كأول مدير قبل أن يخلفه فرانسيس كولينز (Francis Collins) عام 1993. شارك فيه عشرون مركزاً بحثياً في ست دول، واعتمدوا منهجية منظّمة: تقطيع الجينوم إلى أجزاء يمكن التحكم بها، واستنساخها في كروموسومات بكتيرية صناعية (BAC)، ثم قراءة كل جزء بتقنية سانغر وتجميع النتائج.[8]
تبنّى المشروع مبادئ برمودا (Bermuda Principles) في فبراير 1996، التي ألزمت جميع المشاركين بإيداع تسلسلاتهم في قواعد بيانات عامة خلال أربع وعشرين ساعة من إنتاجها. كان هذا القرار تأسيسياً: لأول مرة في تاريخ مشروع علمي بهذا الحجم، تُعامل البيانات الخام باعتبارها ملكية عامة للبشرية لا أصلاً تنافسياً للباحثين. أُعلنت المسوّدة الأولى في السادس والعشرين من يونيو 2000 في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض وصفها فيه الرئيس كلينتون بأنها «أهمّ خريطة وأروعها في تاريخ البشرية». أُعلن اكتمال المشروع رسمياً في أبريل 2003، بتكلفة بلغت نحو 2.7 مليار دولار، قبل موعده بعامين وبأقل من ميزانيته. في عام 2001، كان هذا المبلغ يكفي لشراء ثلاثين ألف شقة في القاهرة. اليوم، كما سنرى، تكلفة قراءة الجينوم نفسه أصبحت أقل من فاتورة هاتف محمول.[8,9]
الجينوم الكامل حقاً: ما أضافه عام 2022
رغم إعلان الاكتمال، بقي نحو ثمانية في المئة من الجينوم البشري غير مقروء. المناطق المفقودة لم تكن هامشية: تضمّنت مناطق وسط الكروموسومات (Centromeres) التي تلعب دوراً محورياً في انقسام الخلية، وأطراف الكروموسومات (Telomeres) المرتبطة بالشيخوخة والسرطان، ومساحات واسعة تتكرر فيها تسلسلات طويلة شبه متطابقة. هذه المناطق استعصت على تقنية سانغر لأن قطعها القصيرة تتشابه إلى حدّ يجعل إعادة تجميعها كمن يحاول تركيب أحجية من قطع متطابقة اللون.[10]
في مارس 2022، نشر ائتلاف تيلومير إلى تيلومير (T2T) في مجلة Science أول تسلسل كامل فعلاً للجينوم البشري، مستفيداً من تقنيات التسلسل الطويل (Long-Read Sequencing) التي تقرأ عشرات الآلاف من الأحرف دفعة واحدة بدلاً من بضع مئات. أضاف المشروع قرابة مئتي مليون زوج قاعدي من التسلسلات الجديدة وحدّد 1,956 تنبؤاً جينياً جديداً. بعد عشرين عاماً من الإعلان الأول، اكتمل الكتاب أخيراً: أكثر من 3.05 مليار حرف، دون فجوة واحدة.[10]
من خمسة وتسعين مليوناً إلى مئتي دولار
ولعلّ أكثر فصول قصة الجينوميات إبهاراً هو انهيار تكلفة قراءة الجينوم بسرعة تجاوزت كلّ التوقّعات، وتفوّقت في أثرها على أيّ رقم آخر في هذا الحقل. يتتبّع المعهد الوطني لأبحاث الجينوم البشري هذه التكاليف منذ عام 2001، ومنحنى الانخفاض الذي يرسمه أصبح أيقونة في حدّ ذاته: لا تكاد تخلو محاضرة تمهيدية في الجينوميات ولا كتاب مدرسي في البيولوجيا الجزيئية من عرض هذا المنحنى ومقارنته بقانون مور (Moore’s Law) الذي يصف وتيرة تطور أشباه الموصلات. إنها من تلك الحقائق التي يكرّرها العلماء حتى تبدو بديهية، رغم أنها ليست كذلك.[11]
في عام 2001، كانت تكلفة تسلسل جينوم بشري واحد تقارب خمسة وتسعين مليون دولار. بحلول عام 2007 انخفضت إلى نحو سبعة ملايين. ثم جاء الانعطاف: ابتداءً من يناير 2008، بدأت أجهزة الجيل التالي من التسلسل (Next-Generation Sequencing, NGS) تحلّ محل تقنية سانغر. الفرق الجوهري أن هذه الأجهزة لا تقرأ قطعة واحدة في كل مرة: تقطّع الجينوم إلى ملايين الشُّدف القصيرة وتثبّتها على شريحة زجاجية مغطاة بملايين النقاط المجهرية، ثم تقرأها جميعاً بالتوازي. كل نقطة تُصدر إشارة ضوئية مختلفة مع كل قاعدة تُضاف، وكاميرا رقمية تلتقط هذه الإشارات في الوقت الحقيقي. بعد ذلك، تتولّى خوارزميات حاسوبية إعادة تجميع الصورة الكاملة من هذه القراءات المتداخلة. هذا التوازي الهائل هو ما أسقط التكاليف بوتيرة تفوق قانون مور بألف ضعف. بحلول عام 2015 أعلنت إلومينا (Illumina) بلوغ عتبة «الجينوم بألف دولار»، وإن كان هذا يشمل تكاليف الكواشف فقط دون التحليل المعلوماتي والتخزين.[11,12]
المحطة التالية كانت الجينوم بأقل من مئة دولار. في مطلع 2023 أعلنت كومبليت جينوميكس (Complete Genomics) عن جهاز قادر على إنتاج خمسين ألف جينوم سنوياً بتكلفة كواشف أقل من مئة دولار. ردّت إلومينا بمنصة NovaSeq X Plus بتكلفة مئتي دولار. الحصيلة: انخفاض بمقدار مئتي ألف ضعف في ثلاثة وعشرين عاماً، حيث كان قانون مور ليتوقع أربعة آلاف ضعف فحسب. الظاهرة الوحيدة المشابهة خارج علوم الحياة هي انهيار تكلفة الطاقة الشمسية فيما يُعرف بقانون سوانسون (Swanson’s Law)، حيث انخفض سعر الألواح الشمسية بنحو تسعة وتسعين في المئة خلال أربعة عقود.[11,13]


لكن ثمة فجوة جوهرية لا بد من الإشارة إليها. تسلسل الجينوم أصبح رخيصاً وسريعاً، لكن تحويل ملايين المتغيرات الجينية التي يكشفها إلى معلومة إكلينيكية يمكن للطبيب أن يتصرف بناءً عليها لا يزال التحدي الأصعب. عملية تحديد المتغيرات وتفسيرها (Variant Calling and Interpretation) تتطلب قواعد بيانات مرجعية ضخمة وأدوات تحليل معلوماتي حيوي متقدمة وخبرة سريرية متخصصة في الطب الجينومي. الأمر أشبه بقراءة نص أدبي بالغ التعقيد، تقرأ الكلمات وتسمع رنينها لكنها قد لا تحمل الكثير من المعاني.
السباق الذي أعاد رسم خريطة الجينوميات
لم يسِر مشروع الجينوم البشري في خط مستقيم. في مايو 1998، أعلن كريغ فنتر (Craig Venter) تأسيس شركة سيليرا جينوميكس (Celera Genomics) بتمويل قدره ثلاثمئة مليون دولار، متعهّداً بإتمام التسلسل قبل المشروع الحكومي بأربع سنوات. اعتمد فنتر منهجية التسلسل العشوائي للجينوم الكامل (Whole-Genome Shotgun): تفتيت الجينوم بأكمله إلى ملايين القطع وتسلسلها جميعاً بالتوازي ثم إعادة تجميعها حاسوبياً.[14]
كان الصراع تقنياً وأيديولوجياً في آن واحد، والبُعد الأيديولوجي فيه هو الذي حسم مساره. مبادئ برمودا تطالب بإتاحة البيانات فوراً ومجاناً؛ فنتر خطّط لإتاحتها للمشتركين المدفوعين فقط ولتسجيل براءات اختراع على الجينات. ردّ صندوق ويلكم تراست البريطاني بمضاعفة تمويله لمركز سانغر. في مارس 2000 أصدر كلينتون وبلير بياناً يدعو إلى إتاحة بيانات الجينوم مجاناً، فانهارت أسهم التقانة الحيوية مؤقتاً. الهدنة أتت على يد آري باترينوس من وزارة الطاقة، الذي دعا كولينز وفنتر إلى منزله لتناول البيتزا والتفاوض. ما انتهى إليه السباق لم يكن انتصاراً لطرف بقدر ما كان إثباتاً لحقيقة ستتكرر في هذه السلسلة: حيثما وُجد اكتشاف علمي كبير، وُجد توتر بين من يريد أن يجعله ملكاً عاماً ومن يريد أن يحوّله إلى أصل تجاري.[15,16]
صعود وسقوط الجينوميات الاستهلاكية
تمخص انهيار التكاليف قيام صناعة جديدة: الفحوصات الجينية المباشرة للمستهلك. تصدّرتها شركة 23andMe التي أُسست عام 2006 واستقطبت خمسة عشر مليون مستخدم وبلغت قيمتها السوقية ستة مليارات دولار عند طرحها في البورصة عام 2021. لكن النموذج أخفى هشاشة: بمجرد حصول المستهلك على تقريره الجيني لا يوجد حافز لشراء آخر. في نوفمبر 2013 أمرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية الشركة بوقف تسويق فحوصاتها الصحية لأنها تُباع دون ترخيص كأجهزة تشخيصية. زاد الطين بلة تعرض بيانات الشركة لاختراق كشف معلومات 6.9 مليون مستخدم، واستهدف أفراداً من أصول يهودية أشكنازية وصينية. في مارس 2025 قدّمت طلب إفلاس. أربعة عشر مليون جينوم بلا حارس.[17,18]
تكشف هذه القصة عن خطر أعمق من إفلاس شركة تقنية. في الولايات المتحدة، يحظر قانون عدم التمييز الجيني (GINA, 2008) على أصحاب العمل وشركات التأمين الصحي استخدام المعلومات الجينية أساساً للتمييز، لكنه لا يشمل التأمين على الحياة ولا التأمين ضد الإعاقة ولا الرعاية طويلة الأمد. في اقتصاديات تتحكّم فيها شركات التأمين بمصائر المرضى وعلاجاتهم، يمكن لنتيجة جينية واحدة تكشف استعداداً لمرض مزمن أن تحرم صاحبها من التغطية أو ترفع أقساطه إلى حدّ يحرمه من الرعاية الصحية. وفي معظم الدول العربية، لا يوجد إطار قانوني مكافئ لحماية خصوصية البيانات الجينية أصلاً.[19]
الجينوم بنيةً تحتية طبية
في المقابل، شهد التسلسل الجينومي السريري تسارعاً لافتاً. في المملكة المتحدة، أفضى مشروع المئة ألف جينوم (100,000 Genomes Project) الذي أنجزته مؤسسة جينوميكس إنغلاند إلى إطلاق دراسة الأجيال (Generation Study) لتسلسل جينومات مئة ألف مولود جديد. في يونيو 2025 أعلنت هيئة الخدمات الصحية الوطنية عن مبادرة بقيمة 650 مليون جنيه لتقديم تسلسل الجينوم لكل مولود خلال العقد القادم. وفي الولايات المتحدة، أصدر برنامج «كلنا» (All of Us) بيانات أكثر من 245 ألف جينوم متنوّع عرقياً، محدداً أكثر من 275 مليون متغير جيني لم يُوصف من قبل.[20, 21, 22]
المجتمعات العربية، ولا سيما الخليجية منها بحاجة ماسة لجهود مماثلة. معدلات زواج الأقارب في دول الخليج تتراوح بين ثلاثين وستين في المئة بحسب الدراسات السكانية، وهي من أعلى المعدلات عالمياً. هذا التركيب يرفع بشكل ملموس احتمال ظهور الأمراض الوراثية المتنحية، من فقر الدم المنجلي والثلاسيميا إلى اعتلالات استقلابية نادرة لا تظهر في قواعد البيانات المرجعية الغربية لأنها مبنية أساساً على جينومات أوروبية الأصل. البرنامج السعودي للجينوم البشري [23](Saudi Human Genome Program) وبرنامج الجينوم الإماراتي (Emirati Genome Programme) الذي سلسل حتى مطلع 2025 أكثر من سبعمئة ألف جينوم إماراتي [24, 25]، وبرنامج الجينوم القطري (Qatar Genome Programme) الذي تديره مؤسسة قطر بالشراكة مع سدرة للطب وحلّل أكثر من أربعة عشر ألف جينوم كامل ونشر أول دراسة ارتباط على مستوى الجينوم لخمس وأربعين سمة إكلينيكية [26, 27] ، هذه كلها خطوات حقيقية في الاتجاه الصحيح. لكنها تحتاج إلى توسيع لتغطية التنوع السكاني الفعلي في المنطقة وبناء قواعد بيانات مرجعية عربية يعتمد عليها الأطباء في تفسير المتغيرات الجينية. بدون هذه القواعد، يظل الطبيب العربي يقارن جينوم مريضه بمرجع لا يشبهه، ويحصل على نتائج قد تكون مضلّلة بقدر ما هي مفيدة.
بدأ الجينوم يتحوّل من أداة بحثية إلى بنية تحتية طبية. لم يعد السؤال هل يمكننا قراءة الشيفرة الوراثية، بل ماذا نفعل بما قرأناه. والإجابة عن هذا السؤال تطلّبت اختراع أدوات جديدة بالكامل: أدوات لا تقرأ الشيفرة فحسب، بل تحرّرها. هذا هو موضوع الجزء الثاني من هذه السلسلة.
ملحق المصطلحات
الحمض النووي (DNA): الجزيء الحامل للتعليمات الوراثية. يتألف من خيطين ملتفّين في شكل لولب مزدوج، كل منهما سلسلة من وحدات السكّر والفوسفات تحمل أربع قواعد كيميائية: الأدينين (A) والثايمين (T) والسايتوزين (C) والغوانين (G).
الجينوم (Genome): مجمل المادة الوراثية في الكائن الحي. الجينوم البشري يضم نحو ثلاثة مليارات زوج قاعدي على ثلاثة وعشرين زوجاً من الكروموسومات.
الجين (Gene): مقطع من الحمض النووي يحمل تعليمات لبناء بروتين أو أكثر. الجينات تشكل نحو اثنين في المئة من الجينوم؛ البقية تسلسلات تنظيمية وبنيوية.
الكروموسوم (Chromosome): بنية مكثّفة من الحمض النووي ملفوف حول بروتينات. يملك الإنسان 23 زوجاً من الكروموسومات في كل خلية، نصفها من الأب ونصفها من الأم.
القواعد النيتروجينية (Nitrogenous Bases): الأحرف الأربعة الكيميائية التي تُكتب بها الشيفرة الوراثية. ترتبط دائماً في أزواج متكاملة: A مع T، وC مع G.
تسلسل الحمض النووي (DNA Sequencing): عملية تحديد ترتيب القواعد في الحمض النووي. تقنية سانغر كانت المعيار لعقود قبل أن تحلّ محلها تقنيات الجيل التالي.
الطفرة (Mutation): تغيّر في تسلسل الحمض النووي. بعض الطفرات تسبب أمراضاً وراثية، وبعضها محايد الأثر.
المرض الوراثي المتنحي (Autosomal Recessive Disease): مرض لا يظهر إلا حين يرث الشخص نسختين معيبتين من الجين المعني، واحدة من كل والد. زواج الأقارب يرفع احتمال حدوث ذلك لأن الزوجين يتشاركان نسبة أعلى من المتغيرات الجينية.
حيود الأشعة السينية (X-ray Diffraction): تقنية تُسلّط فيها أشعة سينية على بلّورة فتنحرف بأنماط تكشف بنية الجزيء.
تحديد المتغيرات وتفسيرها (Variant Calling and Interpretation): عملية تحليل التسلسل الجينومي لتحديد المواقع التي يختلف فيها جينوم الفرد عن المرجع، ثم تقييم ما إذا كانت هذه الاختلافات مسببة للمرض أو حميدة.
المراجع
[1] Watson JD, Crick FHC. Molecular Structure of Nucleic Acids: A Structure for Deoxyribose Nucleic Acid. Nature. 1953;171:737-738. DOI: 10.1038/171737a0
[2] Maddox B. Rosalind Franklin: The Dark Lady of DNA. HarperCollins. 2002.
[3] Elkin L. Rosalind Franklin and the Double Helix. Physics Today. 2003;56(3):42-48. DOI: 10.1063/1.1570771
[4] Comfort N, Cobb M. What Rosalind Franklin Truly Contributed to the Discovery of DNA’s Structure. Nature. 2023. DOI: 10.1038/d41586-023-01313-5
[5] Hunt-Grubbe C. The Elementary DNA of Dr Watson. The Sunday Times. October 14, 2007.
[6] Cold Spring Harbor Laboratory. CSHL Board of Trustees Statement Regarding James Watson. January 2019. cshl.edu
[7] Sanger F, Nicklen S, Coulson AR. DNA Sequencing with Chain-Terminating Inhibitors. PNAS. 1977;74(12):5463-5467. DOI: 10.1073/pnas.74.12.5463
[8] International Human Genome Sequencing Consortium. Initial Sequencing and Analysis of the Human Genome. Nature. 2001;409:860-921. DOI: 10.1038/35057062
[9] Collins FS et al. Finishing the Euchromatic Sequence of the Human Genome. Nature. 2004;431:931-945. DOI: 10.1038/nature03001
[10] Nurk S et al. The Complete Sequence of a Human Genome. Science. 2022;376:44-53. DOI: 10.1126/science.abj6987
[11] National Human Genome Research Institute. DNA Sequencing Costs: Data. genome.gov
[12] Complete Genomics. Next-Generation Sequencing Costs: The Sub $100 Genome. completegenomics.com
[13] Front Line Genomics. The $100 Genome: Where’s the Limit? frontlinegenomics.com
[14] Venter JC et al. The Sequence of the Human Genome. Science. 2001;291:1304-1351. DOI: 10.1126/science.1058040
[15] Cook-Deegan R. The Gene Wars: Science, Politics, and the Human Genome. W.W. Norton. 1994.
[16] Nature. How Diplomacy Helped to End the Race to Sequence the Human Genome. 2020. DOI: 10.1038/d41586-020-01849-w
[17] Frego & Associates. The 23andMe Bankruptcy. 2025. fregolaw.com
[18] U.S. House Oversight Committee. Letter to 23andMe Board Regarding Consumer Data. April 15, 2025. oversight.house.gov
[19] National Human Genome Research Institute. Genetic Information Nondiscrimination Act (GINA). genome.gov
[20] Turnbull C et al. The 100 000 Genomes Project: Bringing Whole Genome Sequencing to the NHS. BMJ. 2018;361:k1687. DOI: 10.1136/bmj.k1687
[21] Genomics England. The 100,000 Genomes Project. genomicsengland.co.uk
[22] All of Us Research Program. Genomic Data in the All of Us Research Program. Nature. 2024. DOI: 10.1038/s41586-023-06957-x
[23] Abu-Elmagd M et al. The Saudi Human Genome Program: An Oasis in the Desert of Arab Medicine Is Providing Clues to Genetic Disease. Human Mutation. 2015;36(8):vi. DOI: 10.1002/humu.22813
[24] The UAE Genome Program: Unique Genetic Insights from 43,608 Individuals. medRxiv. 2025. DOI: 10.1101/2025.09.12.25334546
[25] Emirates Genome Council. genome.gov.ae
[26] Mbarek H et al. Qatar Genome: Insights on Genomics from the Middle East. Human Mutation. 2022;43(4):499-510. DOI: 10.1002/humu.24336
[27] Elfatih A et al. Analysis of 14,392 Whole Genomes Reveals 3.5% of Qataris Carry Medically Actionable Variants. European Journal of Human Genetics. 2024. DOI: 10.1038/s41431-024-01656-1

