تخيّل أن يسحب منك طبيبك عينة من دمك، ثم يرسلها في حاوية مبرّدة إلى مختبر يبعد مئات الأميال. هناك، في غرفة معقّمة لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار مربعة، يعزل فريقٌ متخصصٌ خلايا بعينها من دمك، ثم يُعيد كتابة شفرتها الوراثية ليزرع فيها تعليمات لم تكن تعرفها من قبل: ابحثي عن الورم، تعرّفي عليه، ثم دمّريه. تُوضع هذه الخلايا في حاضنات حيوية فتتكاثر بالملايين على مدار أسبوعين، ثم تُعاد إليك في كيس وريدي لا يختلف ظاهرياً عن كيس نقل الدم. لكن ما بداخله ليس دواءً بالمعنى الذي عرفته البشرية, ما بداخله جيشٌ حيّ مُبرمجٌ، صُنع من جسدك ولأجل جسدك.
هذا باختصار هو العلاج بالخلايا المُهندسة، وهو يُمارَس اليوم في مراكز طبية في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان والصين. حتى مطلع عام 2026، تلقى أكثر من 34,000 مريض هذا النوع من العلاج، واعتمدت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) تسعة علاجات خلوية مهندسة.[1] لكن الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة. ما حدث فعلاً هو تحوّل أعمق من أن تختزله إحصائية واحدة: لقد انتقلنا من إعطاء المريض جزيئات صامتة تتبدد في دمه خلال ساعات، إلى حقنه بخلايا حيّة تتكاثر وتتكيّف وتتذكّر وتصول وتقاتل داخل جسده لأشهر وربما لسنوات.
أرفقت معه ملحقاً يذيّل المقال، يضم شرحاً موجزاً للمفاهيم العلمية الأساسية التي سترد على مدار النص: الخلية ومستقبلاتها، والخلايا التائية والبائية، والأجسام المضادة، والتعديل الجيني بالفيروسات، والخلايا الجذعية. من لا يألف هذه المصطلحات قد يجد في قراءة الملحق فائدة قبل قراءة المقال أو يمكنه تصفحها عند الحاجة.
حدود الجزيء: أين توقف الطب التقليدي؟
لنحو قرنٍ ونصف، قامت صناعة الدواء على فكرة فعّالة: صُنع جزيء كيميائي يتداخل مع مسار بيولوجي معيّن في الجسم. قرصٌ تبتلعه فيمتصه جهازك الهضمي ويسري في دمك حتى يبلغ هدفه، أو جسم مضاد يُحقن في وريدك فيرتبط ببروتين بعينه على سطح خلية مريضة. هذا النموذج أنجز المعجزات: المضادات الحيوية (Antibiotics) انتشلت البشرية من عصر كان فيه الخدش البسيط إيذاناً بالموت، ومثبطات المناعة جعلت زراعة الأعضاء حلاً ممكناً، والعلاجات الموجّهة مثل إيماتينيب (Imatinib) حوّلت سرطان الدم النقوي المزمن من حكم بالإعدام إلى حالة مزمنة يتعايش معها المريض ويذهب بها إلى عمله كل صباح.[2]
لكن لكل أداة حدودها. الأدوية الجزيئية الصغيرة (Small Molecules) لا تستطيع الارتباط إلا بالبروتينات التي تملك تجاويف واضحة على سطحها، وهذه لا تشكّل سوى جزء محدود من البروتينات المسببة للمرض. الأجسام المضادة وحيدة النسيلة (Monoclonal Antibodies) تستهدف الأسطح الخلوية بدقة أعلى، لكنها عاجزة أمام الأهداف الكامنة داخل الخلية، وهي الغالبية العظمى من البروتينات المرتبطة بالأمراض.[3] وكلا النوعين يخضعان لقوانين الحركية الدوائية التي لا تُحابي أحداً: يُعطى الدواء، يرتفع تركيزه في الدم، ثم ينحسر كموجة تنسحب من الشاطئ حتى تُعطى الجرعة التالية. لا يتكاثر، لا يتكيّف، ولا يتذكّر.
والأخطر من ذلك كله أن هذا النموذج، رغم كل ما أنجزه، عجز عن تقديم شفاء حقيقي وحل حاسم لمعظم أمراض البشر. من بين نحو 18,500 مرض معروف، لا تتوفر علاجات معتمدة إلا لنحو 4,000 مرض فقط، أي ما يقارب 22%.[4] ومن بين 7,000 مرض نادر، يقف 95% منها بلا أي علاج مُرخّص.[5] الذئبة الحمراء تُدار بالأدوية ولا تُشفى. السكري من النوع الأول يُحقن بالأنسولين مدى الحياة. باركنسون يفاقم حالة المريض ويشل حركته رغم كل الأقراص والتدخلات الجراحية. المسألة هنا تتجاوز الاجتهاد البشري ونجاحه أو إخفاقه: الجزيء الكيميائي نفسه بلغ مداه، والأداة استنفذت ما في وسعها.
ولادة فكرة: من نقل نخاع العظم إلى هندسة المناعة
بدأت القصة في زمن لم يتحدث فيه أحد عن الأدوية الحية. في عام 1956، وقف الطبيب الأمريكي إي. دونال توماس (E. Donnall Thomas) في مستشفى ماري إيموجين باسيت بولاية نيويورك أمام مريض بسرطان الدم وأخيه التوأم المتطابق، وأجرى ما لم يجرؤ عليه أحد: سحب نخاع العظم من الأخ السليم وحقنه في وريد المريض[6]. لم تكن هناك بروتوكولات ولا تجارب مرجعية. كان رهاناً على فكرة أن خلايا حيّة من إنسان يمكن أن تُنقذ إنساناً آخر… ونجح الرهان! في عام 1968، حقق توماس أول زراعة ناجحة من متبرع غير توأم، وتقديراً لذلك، حاز جائزة نوبل في الطب عام 1990.


الخطوة الثانية كانت أشد جرأة. في المعهد الوطني للسرطان بالولايات المتحدة، لاحظ الجرّاح ستيفن روزنبرغ (Steven Rosenberg) أن بعض الأورام الميلانينية تحتوي على خلايا مناعية كانت قد تسللت إلى داخل تلك الأورام وحاولت تدميرها لكنها غُلبت على أمرها. من هذه الملاحظة، طرح روزنبرغ وفريقه سؤالاً: ماذا لو كثّرنا هذه الخلايا المقاتلة في المختبر ثم أعدناها إلى المريض بأعداد هائلة لتسحق الورم السرطاني؟ في عام 1988، نشر روزنبرغ وفريقه نتائج تُظهر أن هذا النهج حقق انكماشاً في أورام منتشرة.[7] وفي عام 1990، أجرى أول نقل جيني ناجح في الإنسان حين أدخل جيناً في هذه الخلايا باستخدام فيروس رجعي مُروَّض (Retrovirus)، مؤذناً بعهد جديد وجريء من التقانة الحيوية: إعادة برمجة الخلايا المناعية وراثياً.[8]
ثم جاء الاختراق المفاهيمي الحاسم: تصميم أول مستقبل مستضدي خيمري، أو ما يُعرف اختصاراً بـ (كار) (Chimeric Antigen Receptor / CAR). كلمة كايميرا (Chimera) في الأساطير اليونانية تعني الكائن الهجين من أجزاء حيوانات مختلفة، وهذا بالضبط ما يفعله هذا المستقبل: يجمع بين جزء التعرّف المأخوذ من الجسم المضاد وجزء التفعيل المأخوذ من مستقبل الخلية التائية.[9] هكذا اللعبة ببساطة: خُذ عين صقرٍ وضعها على جسد أسد. إذا وظفنا قدرة الجسم المضاد على رؤية الهدف بدقة متناهية، وربطناها بقدرة الخلية التائية على القتل، أنتجنا نوعاً جديداً من الأسلحة المناعية لم يُوجد لهنظير في الجسم البشري من قبل.
لكن المسار من الاكتشاف العلمي إلى الدواء استغرق سنوات طويلة. الجيل الأول من مستقبلات (كار) افتقر إلى إشارات التحفيز الكافية، فكانت الخلايا تشتعل نشاطاً ثم يخبو ذلك النشاط ويختفي داخل الجسم. ثم جاء الجيل الثاني الذي أضاف إشارة تحفيزية مشتركة، وهو ما غيّر كل شيء. في عام 2010، عالج كارل جون (Carl June) وفريقه في جامعة بنسلفانيا أول مرضى بالغين مصابين بسرطان الدم الليمفاوي المزمن بخلايا كار تي (CAR-T) المضادة لبروتين CD19، وهو البروتين الذي يظهر بوفرة على سطح تلك الخلايا السرطانية.


في أبريل 2012 جاءت اللحظة التي غيّرت مسار الطب: طفلة في السادسة اسمها إيميلي وايتهيد (Emily Whitehead)، مصابة بسرطان دم ليمفاوي حاد، عاد مرتين بعد دورتين من العلاج الكيميائي، انعدمت الخيارات التقليدية أمامها ولم يبقَ أمام فريقها الطبي سوى اللجوء للعلاج التجريبي. تلقّت إيميلي خلايا كار تي التجريبية كملاذ أخير.[10] ما حدث بعدها كاد يُنهي القصة قبل أن تبدأ. لا شيء في الخلية والبيولوجيا يمر بمسار ثابت متوقع. اشتعلت خلايا (كار) المُهندسة وأطلقت لنفسها العنان وعملت بقوة لم يتوقعها أحد. تكاثرت بسرعة هائلة داخل جسد إيميلي الصغير وأطلقت موجة عنيفة من الجزيئات الالتهابية أدخلتها في غيبوبة كادت أن تودي بحياتها. لكن كارل جون وفريقه اتخذوا قراراً غير مسبوق: استخدموا دواءً مضاداً للالتهاب كان مُعتمداً أصلاً لعلاج التهاب المفاصل، على أمل أن يُخمد العاصفة دون أن يُطفئ جذوة الخلايا المتحفزة، ونجح الرهان مجدداً. استيقظت إيميلي من غيبوبتها يوم عيد ميلادها السابع، وكان سرطان الدم قد تلاشى من جسدها. حتى عام 2025، لا تزال إيميلي حيّة [10]، وأصبحت أيقونة ودليل حي على نجاعة هذه الخلايا.
في 30 أغسطس 2017، اعتمدت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية كيمريا (Kymriah) كأول علاج كار تي وأول علاج جيني يحصل على موافقة فيدرالية، لعلاج سرطان الدم الليمفاوي الحاد المنتكس عند الأطفال والشباب، بنسبة هجوع كامل بلغت 83%.[11] بعد سبعة أسابيع فقط، اعتمدت يسكارتا (Yescarta) لعلاج لمفوما الخلايا البائية الكبيرة، بمعدل استجابة 72%.[12] في غضون شهرين، وُلد عصر الأدوية الحية رسمياً.


ما الذي يجعل الخلية دواءً مختلفاً جوهرياً؟
الفرق بين الدواء التقليدي والخلية المُهندسة لا يقتصر على الشكل أو طريقة التلقي. الفارق يمتد إلى المنطق الدوائي ذاته. حين تبتلع قرصاً، يمتصه جسمك ثم يوزّعه في مسار يمكن رسمه على ورقة رياضياتية قبل أن تُعطي الجرعة الأولى.
الخلية المهندسة تخترق هذا المفهوم تماماً. مسارها يمر بأربع مراحل لا تشبه شيئاً عرفته الصيدلة التقليدية: في البدء، انتشار مبدئي تنخفض فيه الأعداد مؤقتاً ريثما تغادر الخلايا الدم إلى الأنسجة باحثة عن أهدافها. ثانياً، تكاثر هائل تتضاعف فيه أعداد الخلايا أضعافاً مضاعفة، متجاوزة الجرعة المُعطاة بكثير، كأنك زرعت بذرة فأنبتت غابة. ثالثاً، انكماش تخضع فيه الخلايا لموت مبرمج بعد القضاء على معظم الهدف. ورابعاً، استمرارية، تكمُن فيه تلك الخلايا وتحتفظ بذاكرة حية، متحفزة للهدف القادم إن كان.[13] وهكذا إذا تحدثنا في سياق السرطان، فإن الخلايا المناعية المهندسة تُردي الخلايا السرطانية بالضربة القاضية، ثم تكمُن لها وتعيد لها الكرّة إن كانت هناك انتكاسة جديدة.
الأرقام تكشف عمق الاختلاف بين العقار الكيميائي والخلية المهندسة: خلايا كيمريا تتضاعف كل 0.78 يوم داخل جسم المريض، وعمرها النصفي يبلغ 220 يوماً، أي نحو سبعة أشهر.[13] والأكثر إذهالاً أن الباحثين لم يجدوا أي علاقة بين الجرعة المُعطاة وعدد الخلايا في الدم، فتكاثر الخلايا يعتمد على حجم المرض لا على عدد الخلايا التي حُقنت ابتداءً. هذا يُحطّم القاعدة الذهبية للصيدلة التقليدية: في العلاج الخلوي، الجرعة لا تحدد الاستجابة. الهدف هو من يحدّدها. تنغرس هذه الخلايا في جسم المريض وتتبع المنطق ذاته الذي تتبعه خلاياه السليمة، فتستجيب للمدخلات البيئية نفسها وتتفاعل بالمخرجات البيولوجية نفسها.[14] بعبارة أوضح: نحن لا نُعطي المريض سلاحاً يُطلق رصاصة واحدة، بل جيشاً يفكر ويتكيّف ويحرس ويتذكّر.
داخل غرفة التصنيع: رحلة الخلية من الوريد إلى الوريد
من يعمل في هذا المجال يعرف أن جاذبية الفكرة تُخفي وراءها واقعاً تصنيعياً ومتطلبات صارمة لا تعرف التهاون. خلف كل حقنة خلايا، هناك أسابيع من العمل في غرف نظيفة ذات هواء مُرشّح وضغط موجب، وعشرات الاختبارات التي لا يتسامح أي منها مع خطأ واحد. رحلة الخلية من وريد المريض إلى وريده مرة أخرى تمرّ بسلسلة من المراحل المتتالية.[15]، كل واحدة منها قد تُنهي المسار بالكامل إن أخفقت
تبدأ العملية بفصادة كريات الدم البيضاء (Leukapheresis) في المركز العلاجي: يُسحب الدم من ذراع المريض، تُستخلص منه الكريات البيضاء عبر جهاز طرد مركزي، ثم يُعاد باقي الدم إلى الذراع الأخرى. ثلاث إلى أربع ساعات يقضيها المريض مربوطاً بأنابيب، ثم تُجمَّد العيّنة وتُشحن في حاويات مبرّدة إلى مصنع متخصص قد يكون في مدينة أخرى أو قارة أخرى.
في المصنع، تُعزل الخلايا التائية باستخدام حبيبات مغناطيسية مُغلّفة بأجسام مضادة ترتبط بمستقبل CD3 على سطحها، فتنفصل عن ملايين الخلايا الأخرى. ثم تُنشَّط وتُعرَّض للناقل الفيروسي (Viral Vector) الذي يحمل الجين المُشفِّر لمستقبل كار. بعد نقل الجين، تُوضع الخلايا في حاضنات حيوية لتتكاثر على مدار 7 إلى 14 يوماً في بيئة محكومة الحرارة والرطوبة وتركيز ثاني أكسيد الكربون.
ثم يأتي الامتحان الأصعب: اختبارات ضبط الجودة. كفاءة نقل الجين، نسبة الخلايا الحية، العقامة، خلوّها من الملوّثات الميكروبية، واختبار الفاعلية البيولوجية. أي انحراف في أي من هذه الاختبارات يعني إتلاف الدفعة التصنيعية بالكامل والبدء من الصفر، إن كان ذلك ممكناً. تُجمَّد الخلايا النهائية وتُشحن مجدداً في سلسلة تبريد لا تتحمل الانقطاع، حيث تُذاب عند سرير المريض وتُحقن وريدياً.
المدة الوسطية من سحب الدم إلى حقن العلاج تبلغ 27 يوماً لدواء يسكارتا، ونحو 22 يوماً لكيمريا، و4 إلى 5 أسابيع لكارفيكتي (Carvykti). خلال فترة الانتظار هذه، يتلقى المريض علاجاً كيميائياً لإبقاء المرض تحت السيطرة. ونسبة فشل التصنيع تتراوح بين 1% و7% من المرضى الذين لا يحصلون على منتجهم النهائي.[15]
ثم هناك التكلفة. سعر علاج كار تي في الولايات المتحدة يتراوح بين 373,000 و475,000 دولار للمنتج وحده، لكن التكلفة الإجمالية (التنويم والآثار الجانبية والمتابعة) قد تبلغ وسطياً 608,000 دولار، و8.5% من المرضى يتجاوزون المليون.[16] هذه الأرقام هي العائق الأكبر والحاجز الذي يفصل بين من يستطيع الوصول إلى هذا العلاج ومن لا يستطيع، وهو ما سنبسط فيه الكلام في مقال لاحق.
خريطة الأسلحة الحية: ثلاثة أطوار في تاريخ العلاج الخلوي
يمكن قراءة تاريخ العلاج بالخلايا من خلال ثلاثة أطوار، كل طور يمثّل قفزة في التعقيد والطموح. الطور الأول استخدم الخلية كما هي. الطور الثاني أعاد برمجتها لتقاتل. الطور الثالث يصنعها من الصفر لتعوّض ما تلف أو تعالج ما تعسّر علاجه. لا يمكنني الزعم أن هذه الأطوار الثلاثة تصنيف أكاديمي متعارفٌ عليه في الأدبيات العلمية، بل إطار تحليلي اخترته لهذا المقال أملاً أن يُيسّر على القارئ غير المتخصص استيعاب مسار تطوّر هذا الحقل. أما الواقع فأشدّ تداخلاً مما توحي به هذه الخريطة: هذه الأطوار لم تتعاقب بترتيب زمني صارم بل نشأ كثير منها بالتوازي، والحدود بينها ليست قطعية دائماً. غير أن التمييز بين خلية طبيعية تُزرع كما هي، وخلية تُعاد برمجتها، وخلية تُصنّع من الصفر، يمنحنا إطاراً مفيداً لفهم المنطق العلاجي المختلف وراء كل نهج.
الطور الأول: خلية الدم الجذعية غير المعدّلة
أقدم أشكال العلاج الخلوي وأوسعها انتشاراً هو زراعة الخلايا الجذعية المكوّنة للدم (Hematopoietic Stem Cell Transplantation / HSCT)، وهو ما عُرف تاريخياً بزراعة نخاع العظم. الفكرة في جوهرها بسيطة: اذهب إلى مكمن خلايا الدم الجذعية وعُشها، نخاع العظم، استبدل نخاع عظم مريض بنخاع عظم سليم من متبرع، فيُعاد بناء جهاز الدم والمناعة من جذوره.
منذ أن أثبت توماس جدواها في خمسينيات القرن العشرين، توسّعت هذه الزراعة حتى أصبحت من أكثر التدخلات الطبية المعقدة شيوعاً في العالم. في أوروبا وحدها أُجري نحو 48,000 عملية زراعة في عام 2023، وتجاوز المجموع التراكمي 800,000 عملية على مدار ثلاثة عقود.[17] وعلى المستوى العالمي، تجاوز النشاط 90,000 عملية سنوياً في 89 دولة بحلول 2018، أي أنه تضاعف خلال عقد واحد.[18]
استُخدمت هذه الزراعة في ثلاثة محاور كبرى. أولاً: سرطانات الدم والنخاع، كابيضاض الدم الحاد (Acute Leukemia) واللمفوما والورم النقوي المتعدد (Multiple Myeloma)، وهي تشكّل الحصة الأكبر من حالات الزراعة. ثانياً: أمراض الدم الوراثية كفقر الدم المنجلي (Sickle Cell Disease) والثلاسيميا (Thalassemia)، حيث يُستبدل نخاع العظم الذي يُنتج خلايا دم معطوبة بآخر سليم. جدير بالذكر أن هذه الأمراض منتشرة على نحو خاص في العالم العربي وشرق المتوسط وأفريقيا. ثالثاً: أمراض نقص المناعة الوراثي واضطرابات الأيض الخلقية (Inborn Errors of Metabolism) كداء كرابي (Krabbe Disease) وحثل المادة البيضاء متبدّل اللون (Metachromatic Leukodystrophy)، حيث تُزرع خلايا جذعية سليمة تنتج الإنزيمات التي يعجز جسم المريض عن تصنيعها.[19]
وقد جُرّبت الزراعة أيضاً في أمراض المناعة الذاتية الشديدة كالتصلب المتعدد (Multiple Sclerosis) والتصلب الجهازي (Systemic Sclerosis): يُفرَّغ الجهاز المناعي المختل وظيفياً بعلاج كيميائي مكثف ثم يُعاد بناؤه من خلايا المريض الجذعية ذاتها بعد هندستها، أو من متبرع. سجّل السجل الأوروبي (EBMT) أكثر من 343 عملية زراعة لأمراض مناعية ذاتية عند الأطفال وحدهم.[20]
زراعة خلايا الدم الجذعية نهج شامل لأمراض الدم والمناعة، لكنه ليس بلا ثمن: تفاعل الطعم ضد الثوي (Graft-versus-Host Disease) حيث تهاجم الخلايا المناعية للمتبرع أنسجة المريض المستقبل بعد أن تعرفت عليها كأنسجة غريبة، والعدوى المهددة للحياة في فترة فقدان المناعة، ومضاعفات قد تلازم المريض لسنوات. كل ذلك قد يجعل زراعة خلايا الدم الجذعية عملية (مميتة) لذلك يُحتفظ بها للحالات التي استنفدت كل الخيارات.
الطور الأول أثبت المبدأ: الخلية الحيّة يمكن أن تكون علاجاً. لكنه اعتمد على استبدال الخلايا لا على هندستها. السؤال الذي بقي معلّقاً: ماذا لو لم نكتفِ بالخلية كما هي، بل أعدنا تصميمها بأنفسنا؟
الطور الثاني: الخلايا التائية المعدّلة وراثياً
هنا يبدأ عصر الهندسة الخلوية الحقيقي. بدلاً من زراعة خلايا كما هي، يستخلص العلماء خلايا المريض التائية ويُعيدون كتابة جزء من شفرتها الوراثية في المختبر لتصبح قادرة على التعرف على السرطان وتدميره بكفاءة لم تكن تملكها من قبل. هذا الطور يشمل ثلاثة أسلحة رئيسية:
أولاً: خلايا كار تي (CAR-T)، التي فصّلنا الحديث عنها. سبعة منتجات معتمدة حتى مطلع 2026، كلها تستهدف سرطانات الدم. يسكارتا يتصدر تجارياً بإيرادات 1.6 مليار دولار في 2024، لكن كارفيكتي يسجّل أسرع نمو بفضل أنه حقق أول بقاء إجمالي مُثبت لعلاج كار تي في الورم النقوي المتعدد: 76.4% مقابل 63.8% للعلاج القياسي بعد 30 شهراً.[21] أحدث المنتجات، أوكاتزيل (Aucatzyl)، اعتُمد في نوفمبر 2024 بسمّية التهابية أقل بكثير من سابقيه.[22]
ثانياً: خلايا تي سي آر (TCR-T)، التي تحل مشكلة بنيوية في خلايا كار تي. مستقبلات كار لا ترى إلا ما يبرز على سطح الخلية، وهذه لا تشكّل سوى نحو 20% من البروتينات. أما خلايا تي سي آر فترى شظايا البروتينات المختبئة داخل الخلية بعد أن تُعرض على سطحها عبر نظام التوافق النسيجي (MHC)، مما يتيح الوصول نظرياً إلى البروتيوم بأكمله. في أغسطس 2024، اعتُمد تيسيلرا (Tecelra) كأول علاج من هذا النوع وأول علاج خلوي مهندس لورم صلب، بمعدل استجابة 43.2% في ساركوما الغشاء الزليلي (Synovial Sarcoma) التي كانت تُعدّ مستعصية.[23]
ثالثاً: الخلايا المتسللة إلى الأورام (TIL)، التي تعتمد على فلسفة مغايرة: بدلاً من هندسة خلايا في المختبر، تُستخلص من نسيج الورم المُستأصل جراحياً. هذه خلايا وجدت الورم بنفسها واخترقته وحاولت تدميره لكنها غُلبت بالعدد أو بالبيئة المعادية. كل ما نفعله هو تكثيرها إلى المليارات ثم إعادتها إلى المريض كجيش عاد من المنفى بأعداد ساحقة. أمتاغفي (Amtagvi) اعتُمد في فبراير 2024 لعلاج الميلانوما المنتشرة، و43.5% من المستجيبين حافظوا على استجابتهم بعد عام كامل.[24]
هذا الطور يشهد حراكاً لا يهدأ: أكثر من 1,700 تجربة سريرية نشطة لعلاجات كار تي وحدها، وأكثر من 3,500 علاج خلوي وجيني في طور التطوير حول العالم.[25] والأفق بدأ يتمدد خارج السرطان نحو أمراض المناعة الذاتية، وهو ما قد يكون التحوّل الأكبر في العقد القادم. سنُفرد لكل محور من هذه المحاور مقالاً مستقلاً.
الطور الثالث: تصنيع الخلية من الصفر
الطور الثالث يذهب إلى ما هو أبعد وأجرأ: إنتاج خلايا متخصصة من خلايا جذعية في المختبر، إما لتعويض ما دمّره المرض أو لعلاج ما لم يكن له علاج بيولوجي من الأساس. وعلى عكس الطورين السابقين، فإن هذا الطور (غيري) بطبيعته في معظم تطبيقاته: أي أن الخلايا تُنتج من مصدر واحد وتُوزّع على عدد لا محدود من المرضى.
لكن لماذا لم نكتف بالأطوار السابقة من العلاجات الخلوية؟ الإجابة مباشرة: لأن هناك أمراضاً لا تحتاج إلى إعادة برمجة المناعة بل إلى استبدال خلايا مفقودة. مريض السكري من النوع الأول فقد خلايا بيتا المنتجة للأنسولين ولن تعيدها له أي خلية تائية مهندسة. مريض باركنسون فقد خلايا عصبية دوبامينية في منطقة محددة من الدماغ. هؤلاء يحتاجون قطعة غيار بيولوجية لا سلاحاً مناعياً. وهنا يدخل اكتشاف شينيا ياماناكا (Shinya Yamanaka) في عام 2006 (جائزة نوبل 2012): الخلايا الجذعية المتعددة القدرات المستحثة (iPSCs)، خلايا بالغة أُعيدت برمجتها لتصبح قادرة نظرياً على التحوّل إلى أي نوع من أنواع خلايا الجسم البالغ عددها أكثر من 200 نوع.[26] خذ خلية جلد من متبرع سليم، أعدها إلى حالتها الجنينية، ثم وجّهها لتصبح بنكرياسية أو عصبية أو قلبية، وأنتج منها كميات غير محدودة لعلاج آلاف المرضى.
المزايا واضحة: إنتاج صناعي قابل للتوسّع من بنك خلايا رئيسي واحد، تخزين مسبق وتوزيع فوري بدلاً من أسابيع الانتظار، واتساق في الجودة يُزيل التباين الذي يُؤرّق النموذج الذاتي. لكن هذا الطريق لا يخلو من الفخاخ والعقبات: خطر تكوّن أورام مسخية (Teratoma) إن بقيت خلايا غير متمايزة في المنتج النهائي، وصعوبة ضمان النضج الوظيفي الكامل خارج الجسم، والأهم من ذلك الرفض المناعي الذي يفرض على المريض أدوية مثبطة للمناعة مدى الحياة. لذلك يسعى باحثون إلى تصنيع خلايا “متخفية” عن الجهاز المناعي (Hypoimmune Cells) عبر تعديلات وراثية تُخفي بطاقة هوية الخلية عن الخلايا التائية والقاتلة الطبيعية والبلعمية معاً.[27] لكن هذا التخفي يُثير قلقاً مشروعاً: خلية لا يراها الجهاز المناعي هي خلية لا يستطيع إيقافها إن تحوّلت إلى سرطانية. إنها معادلة شديدة الحساسية، سنبسط القول فيها وفي مفاتيح الأمان المصمَّمة لحلّها في مقال لاحق من هذه السلسلة.


في السنوات القليلة الماضية سجلت العلاجات المشتقة من الخلايا الجذعية إنجازات محورية:
في مرض السكري من النوع الأول، يُدمّر جهاز المناعة خلايا بيتا المنتجة للأنسولين في البنكرياس، فيحتاج المريض لحقن الأنسولين مدى الحياة. شركة فيرتيكس (Vertex) طوّرت زيميسليسيل (Zimislecel / VX-880): خلايا جُزُر بنكرياسية مُشتقة من خلايا جذعية تُنتَج في المختبر ثم تُحقن في المريض لتعوّض الخلايا المدمَّرة وتُعيد إنتاج الأنسولين ذاتياً. في التجربة السريرية، تحرّر 7 من 10 مرضى من الأنسولين تماماً. يقف هذا المنتج الآن على عتبة المرحلة الثالثة كأول علاج خلوي من هذا النوع يصل إلى هذه المرحلة المتقدمة.[28]
في مرض باركنسون، تموت الخلايا العصبية المنتجة للدوبامين في منطقة محددة من الدماغ، فيفقد المريض تدريجياً سيطرته على حركته. شركة بلوروك (BlueRock Therapeutics) بالشراكة مع باير (Bayer) أنتجت بيمدانيبروسيل (Bemdaneprocel): خلايا عصبية دوبامينية مشتقة من خلايا جذعية متعددة القدرات تُزرع جراحياً في الدماغ. بيانات المرحلة الأولى المنشورة في مجلة نيتشر (Nature) أظهرت بقاء الخلايا المزروعة وعملها بعد 18 شهراً، مع تحسّن ملحوظ في الأعراض الحركية. عُولج أول مريض في المرحلة الثالثة في سبتمبر 2025.[29]
هذا الطور لا يزال في فصوله الأولى، لكنه يحمل وعداً يتجاوز ما قبله: إمكانية تصنيع أي نوع من الخلايا البشرية في المختبر وزراعته في المريض. القلب والكبد والشبكية والغضاريف كلها أهداف قيد البحث. إن نجح هذا النموذج، فسنكون أمام تحوّل لا يقتصر على الطب بل يمتد إلى فهمنا لما هو ممكن داخل الجسد البشري.
العلاج الخلوي في المنطقة العربية: بداية حقيقية
المنطقة العربية بدأت كتابة فصلها الخاص من هذه القصة. مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث (KFSHRC) في الرياض عالج أكثر من 200 مريض بخلايا كار تي منذ 2020. وفي يونيو 2024 تحقق إنجاز كبير: نجح المستشفى في إنتاج خلايا كار تي محلية الصنع بالكامل، مما خفّض تكلفة العلاج بنسبة 80%، من نحو 347,000 دولار إلى نحو 67,000 دولار فقط. يُفتتح حالياً مرفق تصنيع بمساحة 5,000 متر مربع يضم 16 مجموعة من الغرف النظيفة، ويُتوقع أن يوفّر نحو 2 مليار دولار بحلول 2030 ضمن الاستراتيجية الوطنية السعودية للتقنية الحيوية.[30] هذا نموذج يُثبت أن التصنيع المحلي قادر على كسر أحد أكبر حواجز الوصول إلى العلاج الخلوي. والمنطقة العربية التي تعاني من انتشار واسع لأمراض الدم الوراثية كالمنجلي والثلاسيميا ربما تكون من أكثر المناطق حاجةً لهذه البنية التحتية.
ما بعد هذا المقال: خريطة القراءة القادمة
في هذا المقال، رسمنا خارطة طريق، تنطلق من حدود الجزيء الكيميائي إلى ولادة فكرة الدواء الحي، ومن أول زراعة نخاع عظم في خمسينيات القرن العشرين إلى خلايا مُهندسة تُدمّر السرطان وخلايا مُصنّعة في المختبر تُعيد بناء البنكرياس وتُزرع في الدماغ.
في المقالات القادمة، سنغوص في كل محور على حدة. سنبدأ بمقال تفصيلي عن خلايا كار تي: كيف تُصنع خطوة بخطوة من وجهة نظر من يعمل داخل غرفة التصنيع، ولماذا تنجح في سرطانات الدم وتقف عاجزة (حتى الآن) أمام الأورام الصلبة، وما حقيقة إشارات السلامة التي أثارت قلق الهيئات الرقابية ثم تبيّن أنها أقل خطورة مما بدا.
ثم ننتقل إلى ما قد يكون التحوّل الأكبر في هذا العقد: استخدام كار تي لأمراض المناعة الذاتية كالذئبة الحمراء والتصلب المتعدد ومتلازمة الشخص المتصلب، حيث البيانات الأولية واعدة لدرجة أن شركات تتقدم لترخيص أول علاج كار تي خارج السرطان في 2026. وسنفرد مقالاً للابتكار الأجرأ: العلاج الخلوي داخل الجسم (In Vivo CAR-T)، أي برمجة خلاياك المناعية بحقنة وريدية واحدة دون الحاجة إلى مصنع أو غرفة نظيفة أو انتظار أسابيع، وهي تقنية استقطبت صفقات استحواذ تجاوزت 7 مليارات دولار في عامين فقط.
وسنتوقف عند سؤالين لا يقلّان أهمية عن العلم نفسه. السؤال الأول: الأخلاق واللاعبون السيّئون. ففي الظل الذي يلقيه هذا العلم الواعد، تنمو صناعة سوداء من عيادات الخلايا الجذعية غير المرخصة التي تبيع أوهام الشفاء لمرضى أحاط بهم اليأس. أكثر من 700 عيادة في الولايات المتحدة وحدها تُقدّم حُقناً غير معتمدة لكل شيء من آلام الركبة إلى التوحد، ووراء كثير منها أطباء يمتهنون مهنة العلم والطب لسوء الحظ. وقد وثّقت الأبحاث حالات انفصال شبكية والتهاب دماغي ونخاعي وعدوى خطيرة ناتجة عن هذه الممارسات. القارئ العربي بالذات يحتاج أن يميّز بوضوح بين العلاج الموثّق والسياحة العلاجية المشبوهة، وسنُفرد لهذا الملف ما يستحقه.
والسؤال الثاني: كيف نجعل هذه العلاجات في متناول الجميع؟ حين يكلّف علاج واحد أكثر من نصف مليون دولار، وحين لا تتوفر المراكز المؤهلة إلا في 311 موقعاً في الولايات المتحدة وعدد محدود في أوروبا[31]، وحين تعادل تكلفة العلاج 200 ضعف نصيب الفرد من الناتج المحلي في دول كالهند، فإن أزمة الوصول ليست تفصيلاً اقتصادياً هامشياً بل هي التحدي الأكبر الذي يواجه هذا المجال. الحقيقة أن إتاحة هذه العلاجات لقطاعات واسعة من المرضى تقع في صلب مستقبل هذا المجال وتحدياته، وتحتاج إلى حلول جذرية من نوع التصنيع المحلي كما بدأته السعودية والصين، أو التصنيع داخل الجسم الذي يُلغي المصنع كلّياً. سنعود إلى هاتين المقاربتين بتفصيل في مقالات لاحقة.
ملحق: معجم المصطلحات الأساسية
يضم هذا الملحق شرحاً للمفاهيم العلمية التي وردت في المقال أو ستتكرر في المقالات القادمة من هذه السلسلة. رُتّبت ترتيباً يبدأ من الأساسيات ويتدرّج نحو الأكثر تخصصاً.
الخلية (Cell) الوحدة الأساسية للحياة. جسم الإنسان يتألف من نحو 37 تريليون خلية، كل واحدة منها تحمل في نواتها نسخة كاملة من الحمض النووي (DNA). لكن الخلايا ليست متشابهة: خلايا الدم الحمراء تنقل الأكسجين، وخلايا الكبد تُنقّي السموم، والخلايا العصبية تنقل الإشارات الكهربائية. ما يجعل كل خلية مختلفة ليس حمضها النووي (فهو واحد في جميعها)، بل أي أجزاء منه تُقرأ وأي أجزاء تبقى صامتة.
الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين (DNA) الجزيء الذي يحمل التعليمات الوراثية لبناء الكائن الحي وتشغيله. يتكون من شريطين ملتفّين على شكل سلّم حلزوني، ويحتوي على نحو 20,000 جين، كل جين يحمل تعليمات لصنع بروتين معيّن أو أكثر.
البروتين (Protein) الآلات الجزيئية التي تؤدي معظم وظائف الخلية. الإنزيمات بروتينات تُسرّع التفاعلات الكيميائية. الأجسام المضادة بروتينات تتعرف على الأجسام الغريبة. المستقبلات بروتينات تستقبل الإشارات. الهيموغلوبين بروتين ينقل الأكسجين. تُصنع البروتينات وفق تعليمات الجينات في الحمض النووي.
المستقبلات (Receptors) بروتينات على سطح الخلية تعمل كأجهزة استشعار. حين يرتبط بها جزيء معيّن (يُسمى الرابط أو Ligand)، تُرسل إشارة إلى داخل الخلية تأمرها بالتصرف: أن تنقسم أو تتحرك أو تُفرز مواد كيميائية أو تموت. كل خلية مغطاة بآلاف المستقبلات المختلفة، وهذا ما يسمح للجسم بالتنسيق بين تريليونات الخلايا عبر لغة كيميائية مشتركة.
الجهاز المناعي (Immune System) منظومة دفاعية معقدة تحمي الجسم من العدوى والخلايا الشاذة. يتألف من ذراعين رئيسيين: المناعة الفطرية (Innate Immunity) التي تستجيب بسرعة لكنها غير متخصصة، والمناعة التكيفية (Adaptive Immunity) التي تتعلم وتتذكر وتستهدف بدقة. الخلايا التائية والبائية والخلايا القاتلة الطبيعية كلها جنود في هذا الجهاز.
الخلايا التائية (T Cells) جنود الجهاز المناعي المتخصصة في القتل والتنسيق. تُولد في نخاع العظم لكنها تنضج في الغدة الصعترية (Thymus)، ومن هنا حرف T في اسمها. حين تُصاب خلية بفيروس أو تتحوّل إلى خلية سرطانية، تعرض على سطحها شظايا بروتينية صغيرة كإشارة استغاثة. الخلايا التائية تتعرف على هذه الشظايا عبر مستقبلاتها (TCR)، فتنشط وتقتل الخلية المصابة. تشمل أنواعاً فرعية: الخلايا التائية القاتلة (CD8+) التي تُدمّر الخلايا مباشرة، والخلايا التائية المساعدة (CD4+) التي تُنسّق استجابة بقية الجهاز المناعي.
الخلايا البائية (B Cells) الذراع الأخرى للمناعة التكيفية. تنضج في نخاع العظم (Bone Marrow، ومنه حرف B). وظيفتها الرئيسية إنتاج الأجسام المضادة. حين تتعرف خلية بائية على جسم غريب، تتحوّل إلى خلية بلازمية (Plasma Cell) تُفرز آلاف الأجسام المضادة في الثانية، أو إلى خلية ذاكرة (Memory B Cell) تبقى كامنة لسنوات وتنشط فوراً إن عاد الغزاة أنفسهم.
الأجسام المضادة (Antibodies) بروتينات على شكل حرف Y تصنعها الخلايا البائية. كل جسم مضاد يتعرف على شكل جزيئي محدد يُسمى المستضد (Antigen)، كالمفتاح والقفل. ترتبط الأجسام المضادة بسطح الهدف فتُعطّله أو تُعلّمه لخلايا أخرى كي تدمّره. تُستخدم نسخ صناعية منها (الأجسام المضادة وحيدة النسيلة / Monoclonal Antibodies) كأدوية لعلاج السرطان وأمراض المناعة.
الخلايا القاتلة الطبيعية (Natural Killer Cells / NK Cells) خلايا من المناعة الفطرية تقتل الخلايا المصابة أو السرطانية دون الحاجة لتدريب سابق أو مستضد محدد. على عكس الخلايا التائية، لا تحتاج إلى التعرف على هدف بعينه بل تكتشف الخلايا التي فقدت علامات “الهوية” الطبيعية (MHC Class I) وتقتلها. يُستكشف استخدامها في العلاج الخلوي لأنها لا تسبب تفاعل الطعم ضد الثوي.
المستضد (Antigen) أي جزيء يستطيع الجهاز المناعي التعرف عليه. قد يكون بروتيناً على سطح فيروس أو بكتيريا أو خلية سرطانية. في سياق العلاج الخلوي، “المستضد المستهدف” هو العلامة الموجودة على سطح الخلية المرضية التي نُصمم الخلايا المهندسة لتتعرف عليها. مثلاً: CD19 هو مستضد موجود على سطح الخلايا البائية وتستهدفه معظم علاجات كار تي الحالية.
نظام التوافق النسيجي الرئيسي (MHC / HLA) مجموعة من البروتينات على سطح كل خلية في الجسم تعمل كبطاقة هوية. تعرض هذه البروتينات شظايا من البروتينات الداخلية للخلية على سطحها، فتسمح للخلايا التائية بتفحّص ما يجري داخل الخلية. إن كانت الشظايا طبيعية، تمرّ الخلية التائية بسلام. إن كانت غريبة (كشظية فيروسية أو سرطانية)، تقتل الخلية التائية الخلية المعروضة. ويُسمى هذا النظام عند الإنسان HLA (Human Leukocyte Antigen)، وهو ما يُفحص لتحديد التوافق بين المتبرع والمتلقي في زراعة الأعضاء ونخاع العظم.
الخلايا الجذعية (Stem Cells) خلايا غير متخصصة تمتلك قدرتين استثنائيتين: التجدد الذاتي (التكاثر دون فقدان خصائصها) والتمايز (التحوّل إلى أنواع متخصصة). الخلايا الجذعية المكوّنة للدم (Hematopoietic Stem Cells) في نخاع العظم تُنتج جميع خلايا الدم. الخلايا الجذعية المتعددة القدرات المستحثة (Induced Pluripotent Stem Cells / iPSCs) هي خلايا بالغة أُعيدت برمجتها لتصبح شبيهة بالخلايا الجنينية، ويمكن توجيهها لتصبح أي نوع: عصبية أو قلبية أو بنكرياسية.
التعديل الجيني باستخدام الفيروسات (Viral Gene Transfer) الأداة التي تُحوّل الخلية العادية إلى خلية مهندسة. الفيروسات في الطبيعة تخترق الخلية وتدسّ مادتها الوراثية فيها لتسخّرها لصالحها. العلماء استغلوا هذه الآلية بعد تجريد الفيروس من قدرته على إحداث المرض والإبقاء فقط على قدرته على توصيل الجينات. هذه الفيروسات المُروَّضة تُسمى الناقلات الفيروسية (Viral Vectors). أشهر أنواعها: الفيروس البطيء (Lentivirus) الذي يُدمج الجين الجديد في حمض الخلية النووي بشكل دائم، والفيروس الرجعي (Retrovirus) الذي يعمل بآلية مشابهة.
المستقبل المستضدي الخيمري (Chimeric Antigen Receptor / CAR) بنية بروتينية اصطناعية لا وجود لها في الطبيعة، تُركَّب من أجزاء مأخوذة من بروتينات مختلفة. الجزء الخارجي مشتق من جسم مضاد ويتعرف على مستضد معيّن على سطح الخلية المستهدفة. الجزء الداخلي مشتق من سلسلة إشارات الخلية التائية ويُفعّلها للقتل. حين يُدخل الجين المُشفّر لهذا المستقبل في خلية تائية، تصبح خلية كار تي قادرة على قتل أي خلية تحمل المستضد المستهدف.
كريسبر كاس 9 (CRISPR-Cas9) أداة تعديل جيني اكتُشفت أصلاً كنظام دفاعي بكتيري ضد الفيروسات. تعمل كمقص جزيئي يمكن توجيهه لقص الحمض النووي في موقع محدد بدقة متناهية، مما يسمح بحذف جين معيّن أو إدراج جين جديد. استخدامها في العلاج الخلوي يشمل تعطيل الجينات المسببة للمرض (كما في كاسجيفي / Casgevy لعلاج فقر الدم المنجلي) وتعديل الخلايا المتبرع بها لتكون متوافقة مع أي مريض.
تفاعل الطعم ضد الثوي (Graft-versus-Host Disease / GvHD) حالة تحدث حين تُهاجم الخلايا المناعية المزروعة من المتبرع أنسجة جسم المتلقي، معتبرةً إياها غريبة. أحد أخطر مضاعفات زراعة الخلايا الجذعية من متبرع. يمكن أن يصيب الجلد والكبد والجهاز الهضمي والرئتين. تتراوح شدته من خفيف إلى مهدد للحياة.
العلاج الذاتي مقابل العلاج الغيري (Autologous vs. Allogeneic) العلاج الذاتي يستخدم خلايا المريض نفسه: تُسحب وتُعدَّل ثم تُعاد إليه. ميزته أنه لا يسبب رفضاً مناعياً، لكنه مكلف وبطيء ولا يمكن تخزينه. العلاج الغيري يستخدم خلايا من متبرع سليم، مما يسمح بالإنتاج المسبق والتخزين والتوزيع الفوري، لكنه يحمل خطر الرفض المناعي وتفاعل الطعم ضد الثوي. جميع علاجات كار تي المعتمدة حالياً ذاتية، لكن العلاجات الغيرية “الجاهزة” (Off-the-Shelf) قيد التطوير المتقدم.
المراجع
[1] FDA Approved Cellular and Gene Therapy Products [Internet]. FDA.gov; 2026. Available from: https://www.fda.gov/vaccines-blood-biologics/cellular-gene-therapy-products/approved-cellular-and-gene-therapy-products
[2] Kotani H, Ito M. From small molecules to biologics: a historical perspective. Clinical and Translational Science. 2023;16(8):1359–68. doi: 10.1111/cts.13532
[3] Gurevich EV, Gurevich VV. Therapeutic potential of small molecules and engineered proteins. British Journal of Pharmacology. 2015;172(13):3229–41. doi: 10.1111/bph.13066
[4] Every Cure. The Problem [Internet]. Every Cure. Available from: https://everycure.org/the-problem/
[5] CaixaResearch. Why do 95% of rare diseases have no treatment? [Internet]. CaixaResearch. Available from: https://caixaresearch.org/en/caixaresearch-debates-rare-diseases
[6] Thomas ED. Intravenous infusion of bone marrow in patients receiving radiation and chemotherapy. New England Journal of Medicine. 1957;257(11):491–6. doi: 10.1056/NEJM195709112571102
[7] Rosenberg SA, et al. Use of tumor-infiltrating lymphocytes and interleukin-2 in the immunotherapy of patients with metastatic melanoma: a preliminary report. New England Journal of Medicine. 1988;319(25):1676–80. doi: 10.1056/NEJM198812223192527
[8] Rosenberg SA. Gene transfer into humans — immunotherapy of patients with advanced melanoma. New England Journal of Medicine. 1990;323(9):570–8. doi: 10.1056/NEJM199008303230904
[9] Gross G, Waks T, Eshhar Z. Expression of immunoglobulin-T-cell receptor chimeric molecules as functional receptors with antibody-type specificity. Proceedings of the National Academy of Sciences. 1989;86(24):10024–8. doi: 10.1073/pnas.86.24.10024
[10] Maude SL. Tisagenlecleucel in children and young adults with B-cell lymphoblastic leukemia. New England Journal of Medicine. 2018;378(5):439–48. doi: 10.1056/NEJMoa1709866
[11] FDA approves tisagenlecleucel for B-cell ALL. FDA.gov; 2017.
[12] Neelapu SS. Axicabtagene ciloleucel CAR T-cell therapy in refractory large B-cell lymphoma. New England Journal of Medicine. 2017;377(26):2531–44. doi: 10.1056/NEJMoa1707447
[13] Stein AM. Tisagenlecleucel model-based cellular kinetic analysis. CPT: Pharmacometrics & Systems Pharmacology. 2019;8(5):285–95. doi: 10.1002/psp4.12388
[14] Irion S. Cell therapies for the treatment of disease. Clinical and Translational Science. 2019;12(2):95–7. doi: 10.1111/cts.12612
[15] Ayala Ceja M. CAR-T cell manufacturing: major process parameters and next-generation strategies. Journal of Experimental Medicine. 2024;221(2):e20230903. doi: 10.1084/jem.20230903
[16] Blue Cross Blue Shield analysis of CAR-T costs. Journal of the National Cancer Institute. 2024.
[17] Passweg JR. The 2023 EBMT report on hematopoietic cell transplantation and cellular therapies. Bone Marrow Transplantation. 2025. doi: 10.1038/s41409-025-02524-2
[18] Atsuta Y, Baldomero H. Continuous and differential improvement in worldwide access to hematopoietic cell transplantation. Haematologica. 2024;109(10):3282–94. doi: 10.3324/haematol.2024.285002
[19] Lakkaraja M, Baker KS. Precision transplant and cell therapies for non-malignant disorders. British Journal of Haematology. 2025;207(4):1222–6. doi: 10.1111/bjh.20245
[20] Achini-Gutzwiller FR, Snowden JA, Corbacioglu S, Greco R. Haematopoietic stem cell transplantation for severe autoimmune diseases in children. British Journal of Haematology. 2022;198(1):24–45. doi: 10.1111/bjh.18176
[21] San-Miguel J, et al. Cilta-cel or standard care in lenalidomide-refractory multiple myeloma (CARTITUDE-4). New England Journal of Medicine. 2023;389(4):335–47. doi: 10.1056/NEJMoa2303379
[22] Roddie C. Obecabtagene autoleucel in adults with B-cell ALL. New England Journal of Medicine. 2024. doi: 10.1056/NEJMoa2406526
[23] D’Angelo SP, et al. Afamitresgene autoleucel for advanced synovial sarcoma and myxoid round cell liposarcoma (SPEARHEAD-1): an international, open-label, phase 2 trial. The Lancet. 2024;403(10435):1460–71. doi: 10.1016/S0140-6736(24)00319-2
[24] Sarnaik AA. Lifileucel in metastatic melanoma. Journal of Clinical Oncology. 2021;39(24):2656–66. doi: 10.1200/JCO.21.00612
[25] Alliance for Regenerative Medicine. Global cell and gene therapy data, 2024. Alliance for Regenerative Medicine (ARM); 2024.
[26] Takahashi K, Yamanaka S. Induction of pluripotent stem cells from mouse embryonic and adult fibroblast cultures by defined factors. Cell. 2006;126(4):663–76. doi: 10.1016/j.cell.2006.07.024
[27] Deuse T, Hu X, Gravina A, Wang D, Tediashvili G, De C, et al. Hypoimmunogenic derivatives of induced pluripotent stem cells evade immune rejection in fully immunocompetent allogeneic recipients. Nature Biotechnology. 2019;37(3):252–8. doi: 10.1038/s41587-019-0016-3
[28] Vertex Pharmaceuticals. VX-880 (zimislecel) Phase 1/2 results: 7/10 patients insulin-independent. Advancing to Phase 3. Vertex Pharmaceuticals.
[29] Sawamoto N, et al. Phase I/II trial of iPS-cell-derived dopaminergic cells for Parkinson’s disease. Nature. 2025;641(8064):971–77. doi: 10.1038/s41586-025-08700-0
[30] King Faisal Specialist Hospital and Research Centre. CAR-T program: 200+ patients since 2020, local manufacturing June 2024, 80% cost reduction. KFSHRC.
[31] Ge AY, et al. Global access to commercial CAR T-cell therapies: a cross-sectional study of health technology assessment across the G20 countries. Blood. 2026;147(14):1521–31. doi: 10.1182/blood.202503087

