في صباح خريفي من نوفمبر 2014، وقف جوزيف ديماسي، الاقتصادي في مركز تافتس بمدينة بوسطن، أمام حشدٍ من الصحفيين والباحثين، ليعلن رقماً واحداً. تحول هذا الرقم خلال أسابيع إلى أقوى سلاحٍ سياسيٍ في ترسانة صناعة الأدوية: 2,558 مليون دولار. ويمثل هذا الرقم، وفق المركز، ما يكلفه إيصال دواء واحدٍ جديد من المختبر إلى يد المريض.[1] انتشر الرقم انتشار النار في الهشيم. تلقفته غرف الأخبار وقاعات الكونغرس وأروقة منظمة الصحة العالمية، واستدل به في كل نقاش حول تسعير الأدوية كأنه بديهية لا تقبل الجدل. والمفارقة المضحكة المبكية أن ديماسي أعلنه للعالم قبل عامَين كاملَين من خضوعه لمراجعة الأقران الأكاديمية في دوريةٍ علمية محكمة.[2]
ما لم تذكره العناوين الصحفية أن باحثين مستقلين، يستخدمون بيانات عامة يمكن لأي شخصٍ التحقق منها، توصلوا إلى أرقام مختلفةٍ جداً. ففي دورية JAMA Internal Medicine جاء الرقم عند 648 مليون دولار.[3] وفي دورية JAMA الأم بلغ 985 مليوناً.[4] وحين كلفت وزارة الصحة الأمريكية فريقاً مستقلاً بإجراء التحليل، خرج بـ879 مليوناً.[5] فجوةٌ تبلغ مئات الملايين بين ما تقوله الصناعة وما تقوله الأدلة المستقلة. وتتجاوز هذه الفجوة الخلافَ الأكاديميَ حول منهجية البحث، فهي في جوهرها صراعٌ مباشر على السردية التي تحكم أسعار الأدوية، وتحدِد من يحصل على العلاج ومن يحرم منه لعجزه عن تحمل ثمنه.
سنفكك في هذا التقرير رقم تافتس: كيف يحسب، ولماذا يتضخم، وأين تذهب الأموال فعلاً في كل مرحلة من مراحل تطوير الدواء. والأهم: هل تبرر هذه التكاليف الأسعار التي يدفعها المرضى، أم أن ما نواجهه بنيةٌ محاسبية صممت لخدمة أرباح المساهمين قبل أن تخدم العلم؟
ما وراء الرقم: كيف تصنع ملياري دولار من واحدٍ ونصف
لنبدأ بحقيقةٍ لا يذكرها أحد في العناوين: نصف الرقم الشهير، أي 1.4 مليار دولار تقريباً، ليس إنفاقاً حقيقياً على البحث. فالتقدير الذي نشره ديماسي وزميلاه غرابوسكي وهانسن في Journal of Health Economics عام 2016 ينقسم إلى طبقتَين مختلفتَين تمام الاختلاف.[2]
الطبقة الأولى هي الإنفاق النقدي الفعلي، وحجمها 1,395 مليون دولار. هذا هو المال الذي خرج فعلياً من خزائن الشركات، ودفع لباحثين ومستشفيات ومختبرات وموردين. ويتضمن الرقم تكلفة جميع الأدوية التي فشلت في الطريق، موزعةً حسابياً على الأدوية التي نجحت. رقمٌ مرتفعٌ بلا شك، لكنه ليس الرقم الذي تصدر العناوين.[2]
الطبقة الثانية تسمى “تكلفة رأس المال”، وحجمها 1,163 مليون دولار، أي ما يقارب نصف الرقم الكلي. ولفهم هذه الطبقة، تخيل أنك تملك مليون دولار. أمامك خياران: أن تستثمرها في عقارٍ يدر عليك إيجاراً شهرياً، أو تضعها في وديعةٍ بنكية تكسبك فائدةً سنوية معقولة. لكنك اخترتَ أن تضعها في تطوير دواءٍ يستغرق بين عشر سنوات وخمس عشرة قبل أن يعود عليك بأي ربح. الأرباح التي كان يمكن أن تجنيها من استثماراتك البديلة طوال هذه السنوات الطويلة هي ما يسميه الاقتصاديون “تكلفة الفرصة البديلة”.
افترضت دراسة تافتس أن صاحب المال يخسر 10.5% سنوياً من الأرباح بسبب انتظاره الطويل، ثم أضافت هذه الخسارة الافتراضية إلى التكلفة الحقيقية. والنتيجة أن كل دولارٍ يستثمر في بداية المسار يتضاعف تقريباً بحلول لحظة الموافقة، لكن هذا التضاعف يحدث على الورق لا في الواقع. هذه الحيلة المحاسبية البارعة وحدها تضيف نحو 45% إلى الرقم النهائي. أضف إليها 312 مليون دولار لأبحاث ما بعد الموافقة، يصل الإجمالي إلى 2.87 مليار دولار عبر دورة حياة الدواء الكاملة.[2]
والأمر الأكثر إثارة للقلق أن الدراسة بنيت على بياناتٍ سرية قدمتها عشر شركاتٍ لم يكشف عن هوياتها، حول 106 أدوية لم تكشف أسماؤها، دخلت التجارب السريرية بين عامي 1995 و2007. لا يستطيع أي باحثٍ مستقل في العالم مراجعة هذه البيانات أو التحقق منها. حين كتب جيري أفورن من كلية الطب بجامعة هارفارد عن الدراسة في New England Journal of Medicine، طالب بما وصفه بـ”محاسبةٍ أوسع قاعدةً وأكثر شفافية”.[6]
رحلة العقد ونصف: أين يذهب كل دولار
لفهم لماذا يكلف تطوير الدواء هذا القدر من المال حتى بأكثر التقديرات تحفظاً، علينا أن نتتبع رحلة الدواء من بدايتها. يمر الدواء من المختبر إلى الصيدلية بأربع مراحل سريرية رئيسية تمتد في المتوسط من عشر إلى خمس عشرة سنة. تبتلع كل مرحلةٍ أموالاً، ويحمَل كل فشلٍ على كاهل الدواء الذي ينجح في النهاية.
ما قبل السريرية: البحث عن إبرةٍ في كومة جزيئات
قبل أن يعطى أي مركبٍ لمريض، يقضي سنواتٍ في المختبر. تبدأ العملية بفهم البيولوجيا الجزيئية للمرض وتحديد هدفٍ بيولوجي. ثم يجرى مسحٌ لآلاف المركبات بحثاً عن مركبٍ واحدٍ يتفاعل مع هذا الهدف دون سميةٍ مفرطة. تستهلك هذه المرحلة نحو 31% من إجمالي التكاليف النقدية المباشرة، وتتراوح تكلفتها بين 15 و100 مليون دولار على مدى 3 إلى 6 سنوات. وهنا تظهر ثغرةٌ مهمة في دراسة تافتس: لم تبنَ تقديرات تكاليف هذه المرحلة على بيانات مشاريع فعلية، وإنما استنتجت من نسبة الإنفاق الإجمالي للشركات على البحث والتطوير.[7] بمعنى آخر، أكبر مكون تكلفةٍ منفرد في الدراسة هو في جوهره افتراضٌ حسابيٌ يفتقر إلى قياسٍ ميداني.
المرحلة الأولى: 136,783 دولاراً لكل متطوع
حين ينتقل المركب إلى الاختبار البشري لأول مرة، يكون التركيز على الأمان لا الفعالية. تجرى التجارب على 15 إلى 100 متطوع، تحت مراقبةٍ طبية مكثفة على مدار الساعة. تتراوح التكلفة الإجمالية بين 4 و25 مليون دولار، وتبلغ تكلفة كل مريضٍ مشاركٍ في تجارب المرحلة الأولى 136,783 دولاراً، وهي الأعلى بين جميع المراحل.[7] ووفقاً لأحدث بيانات Citeline/Norstella لعام 2024، لا ينجح في تجاوز هذه المرحلة سوى 47% من الأدوية.[8]
المرحلة الثانية: حيث تصنع الشركة أو تنكسر
يختبر الدواء في هذه المرحلة لأول مرة على مرضى حقيقيين، بأعدادٍ تتراوح بين 70 و300، بحثاً عن دليلٍ أوليٍ على الفعالية وتحديد الجرعة المثلى. تتراوح التكلفة بين 7 و92 مليون دولار.[7] وتحمل هذه المرحلة لقب “عنق الزجاجة” لسببٍ وجيه: ينجح في تجاوزها 28% فقط من الأدوية.[8] تتبخر معظم الأموال المستثمَرة هنا في مشاريع لن ترى النور أبداً، ولهذا يعتبرها كثيرٌ من المستثمرين المحطة التي تصنع فيها شركة الأدوية الناشئة مستقبلها أو تنهار.
المرحلة الثالثة: المحرك الأكبر للإنفاق
هنا ينفَق الجزء الأعظم من المال. تجارب محورية تشمل مئاتٍ إلى آلافٍ من المرضى، موزعين على عشرات المراكز الطبية في دول متعددة. تتراوح التكلفة بين 20 و350 مليون دولار لكل تجربة، مع تكلفةٍ تبلغ 113,030 دولاراً لكل مريض.[7] وتبلغ نسبة النجاح هنا 55% تقريباً، مع مدةٍ متوسطة تبلغ 31 شهراً.
تخفي هذه المتوسطات تبايناً هائلاً. فوسيط تكلفة تطوير أدوية الأورام يبلغ 2.77 مليار دولار، مقابل 766 مليون دولار فقط لأدوية الجهاز العصبي.[4] أما العلاجات الجينية فتصل تكلفتها إلى 5 مليارات دولار تقريباً لكل منتجٍ معتمد.[9] أي رقمٍ متوسطٍ واحد يحجب أكثر مما يكشف. وحتى بعد اجتياز كل هذه المراحل، تبلغ رسوم مراجعة طلب الموافقة وحدها 4.31 مليون دولار في عام 2025[10]، وترتفع إلى 4.68 مليون دولار في عام 2026 بموجب قانون PDUFA[11]، وهي رسومٌ غير قابلةٍ للاسترداد حتى لو رفض الطلب.
ضريبة الفشل: الحقيقة التي لا يحب أحد الحديث عنها
إذا سألت لماذا تكلف الأدوية كل هذا المال، فالإجابة الأصدق أن ثمن الدواء الناجح يحمل على ظهره تكلفة كل الأدوية التي فشلت في الطريق إليه. انخفض الاحتمال الإجمالي لنجاح دواءٍ يبدأ المرحلة الأولى في الوصول إلى الموافقة إلى 6.7% فقط وفقاً لأحدث البيانات.[8] يعني هذا أنه مقابل كل دواءٍ يصل إلى يد المريض، يفشل نحو 14 مركباً في مراحل مختلفة، ويتحمل الدواء الناجح تكاليفها جميعاً.
والمأساة أن الفشل يزداد ثمناً كلما تأخر. فشل مركبٍ في المختبر يكلف بضعة ملايين. فشل دواءٍ في المرحلة الثالثة بعد سنواتٍ من الاستثمار يكلف مئاتٍ من الملايين، وقد يهدد بقاء الشركة ذاتها. وتتفاوت احتمالات النجاح تفاوتاً مذهلاً بين التخصصات. فأدوية الأورام لا تنجح بنسبةٍ تتجاوز 3.1%[8]، بينما سجلت أدوية الزهايمر معدل فشل كارثياً بلغ 99.6% بين عامي 2002 و2012.[12]
توضح دراسة سيرتكايا التي كلفتها وزارة الصحة الأمريكية هذا التدرج بأرقامٍ نظيفة. يبلغ متوسط التكلفة النقدية لكل دواءٍ فردي 172.7 مليون دولار. أضف تكاليف الأدوية الفاشلة، يصبح الرقم 515.8 مليوناً. أضف تكلفة انتظار سنوات طويلة لاسترداد المال، يصبح 879.3 مليوناً.[5] 3 طبقات متراكمة: التكلفة الفعلية، فضريبة الفشل، فضريبة الزمن.
معدل الخصم: حكم قيمي في زيِ محاسبي
في هذه القصة بأكملها قرار واحد يقلب كلَ شيء، هو اختيار ما يسميه الاقتصاديون “معدل الخصم”. ولفهم القصة، تخيل التالي: لو عرض عليك شخصٌ خياراً بين أن يدفع لك 1000 دولار اليوم، أو 1000 دولار بعد 10 سنوات، أيهما تختار؟ سيختار أي عاقلٍ الألف اليوم، لأن المال الذي بين يديك الآن أكثر قيمةً من المال الذي ستتسلمه بعد عقدٍ كامل. فالمال الحاضر قابلٌ للاستثمار اليوم، ومحميٌ من التضخم، وآمنٌ من المخاطر التي قد تطرأ خلال السنوات الطويلة المقبلة. ومعدل الخصم هو الطريقة التي يقيس بها الاقتصاديون مقدار “تآكل” قيمة المال مع مرور الزمن. وكلما ارتفع المعدل، انخفضت قيمة الدولار المستقبلي مقارنةً بدولار اليوم.
استخدمت دراسة تافتس معدل 10.5% سنوياً، مشتقاً من نموذج تسعير الأصول الرأسمالية لأسهم شركات الأدوية.[2] يعكس هذا المعدل ما يتوقعه المساهم من عائدٍ على استثماره في صناعةٍ عالية المخاطر. لكن السؤال هنا: لماذا نحسب تكلفة الدواء من زاوية ما يطمح إليه المساهم، لا من زاوية المريض الذي يبتغي العلاج؟ فالحكومة الأمريكية ذاتها تستخدم في تحليلاتها للتكلفة والعائد معدل 3% فقط، وهو رقمٌ يعكس وجهة نظر “المصلحة العامة” لا وجهة نظر المستثمر.[13] وذهب اقتصاديان مستقلان أبعد من ذلك، فاقترح دونالد لايت وريبيكا واربورتون استخدام معدل صفر، بحجة أن شركات الأدوية تمول أبحاثها في الغالب من أرباحها المحتجزة لا من اقتراضٍ خارجي.[14]
والفارق العملي بين هذه المعدلات مذهل. فبمعدل 3% ينخفض رقم تافتس إلى نحو 1.7 مليار دولار. وبمعدل صفر يصبح 1.4 مليار. أي أن نصف مليار دولار إلى مليارٍ ونصف يتلاشى أو يظهر بمجرد تعديل خانةٍ واحدة في معادلةٍ على ورق. والمعدل “الصحيح” يعتمد حصراً على من نسأل: هل المساهم أم المريض؟ وهكذا يتحول ما يقدَم بوصفه حقيقةً محاسبية صلبة إلى حكمٍ قيميٍ يتنكر في ثوبٍ رقمي.
3 دراسات قلبت الطاولة
لم تصمد دراسة تافتس طويلاً دون منازع. تعاقبت دراساتٌ مستقلة تستخدم بياناتٍ عامةً قابلةً للتحقق، وجاءت جميعها بأرقامٍ أقل. الأناقة المنهجية الأبرز جاءت من فيناي براساد وشام مايلانكودي عام 2017 في JAMA Internal Medicine. بدلاً من الاعتماد على بياناتٍ سرية، استخدم الباحثان الإفصاحات المالية العلنية لعشر شركات تقنية حيوية صغيرة. اشترك بين هذه الشركات قاسمٌ واحد: كل واحدةٍ منها أوصلت لتوها أول دواءٍ سرطاني لها إلى السوق بموافقة الـFDA. أي أن الشركة لم تكن قد امتلكت من قبل أيَ دواءٍ معتمد، ثم نجحت في إيصال دوائها الأول. هذا التصميم البديع للدراسة يحل مشكلةً منهجية شائكة: حين تطور شركةٌ كبيرة عشرات الأدوية في الوقت ذاته، يصعب تخصيص نفقات البحث على دواءٍ بعينه. أما هنا، فلأن الشركة لا تملك سواه من المنتجات، فإن كل ما أنفقته على البحث والتطوير حتى لحظة الموافقة يمثل بالضرورة التكلفة الكاملة لهذا الدواء، بما فيها كل المركبات التي فشلت في طريقها إليه. والنتيجة: وسيط 648 مليون دولار.
لكن الرقم الأهم كان رقم الإيرادات. وهنا يتضح مصدر الدخل الذي قد يبدو غامضاً للوهلة الأولى. هذه الشركات لم تكن “بلا منتجات” عند نشر الدراسة، فقد بدأت كلٌ منها تجني أرباحاً من بيع دوائها المعتمد حديثاً. وحين قاس الباحثان ما جنته الشركات العشر مجتمعةً من بيع هذه الأدوية بعد الموافقة، بلغ المجموع 67 مليار دولار، مقابل ما أنفقته في البحث والتطوير، وهو 7.2 مليار دولار فقط. تجاوز العائد التكلفةَ بأكثر من 9 أضعاف.[3]
الدراسة الثانية جاءت من أوليفييه وترز وزملائه في JAMA عام 2020، بتحليل 63 دواءً حصلت على موافقة FDA بين عامي 2009 و2018. وجد الباحثون وسيطاً رأسمالياً يبلغ 985 مليون دولار، ومتوسطاً حسابياً يبلغ 1.336 مليار.[4]
أما الثالثة فصدرت عن أيلين سيرتكايا وزملائها عام 2024 بتكليفٍ من وزارة الصحة الأمريكية نفسها، ووجدت تكلفةً رأسمالية تبلغ 879 مليون دولار.[5]
مقارنةٌ بين التقديرات الرئيسية
| الدراسة | التكلفة الرأسمالية | مصدر البيانات | حجم العينة | الفترة |
| DiMasi 2016 | 2.558 مليار دولار | سرية (10 شركات) | 106 أدوية | 1995–2007 |
| Wouters 2020 | 985 مليون دولار | عامة (47 شركة) | 63 دواءً | 2009–2018 |
| Prasad 2017 | 648 مليون دولار | SEC عامة | 10 أدوية | 2006–2015 |
| Sertkaya 2024 | 879 مليون دولار | HHS بيانات | شاملة | 2000–2018 |
النمط واضح. تتجمع التقديرات المستقلة حول نطاق 700 مليون إلى 1.3 مليار دولار، أي ما بين ثلث ونصف رقم تافتس. وكلما كانت البيانات عامةً وقابلةً للتحقق، جاء الرقم أقل.
6 ثغرات في الجدار
تستحق دراسة تافتس أن نضعها تحت العدسة المكبرة:
أولاً: البيانات سرية ولا يمكن التحقق منها. عشر شركاتٍ مجهولة الهوية قدمت أرقاماً طوعية، وأشار جيمس لوف من منظمة Knowledge Ecology International إلى أن هذه الشركات ربما اختارت تقديم بيانات أغلى أدويتها فحسب.[15]
ثانياً: اقتصرت العينة على أدويةٍ طورت بالكامل داخل الشركات الكبرى، متجاهلةً المركبات المرخصة من جامعاتٍ أو شركاتٍ صغيرة، وهي تمثل شريحةً متناميةً من الأدوية المعتمدة.[16]
ثالثاً: تتجاهل الدراسة تماماً الخصومات الضريبية. تسترد الشركات في الولايات المتحدة ما يصل إلى نصف تكاليف التجارب السريرية للأدوية اليتيمة في صورة ائتماناتٍ ضريبية. وبعد حساب هذه الخصومات، قدرت منظمة Public Citizen التكلفة الفعلية بنحو 90 مليون دولار فقط.[16]
رابعاً: أعلنت منظمة أطباء بلا حدود أن الرقم “غير موثوق”. وقال مدير سياساتها روهيت مالباني عبارته الشهيرة: “إذا صدقت هذا الرقم، فأنت على الأرجح تصدق أيضاً أن الأرض مسطحة”.[17] واستشهدت المنظمة بتطويرها أدويةً للأمراض المهملة بتكاليف تتراوح بين 50 و186 مليون دولار شاملةً الفشل. وفي عام 2024، نشرت المنظمة التكاليف الكاملة لتجربتها السريرية TB-PRACTECAL للسل بمبلغ 36 إلى 45 مليون دولار، في سابقةٍ هي الأولى من نوعها.[18]
خامساً: يتلقى مركز تافتس نفسه نحو 55% من ميزانيته التشغيلية من شركات الأدوية والقطاع الخاص، وهو ما يثير تساؤلاتٍ مشروعةً حول استقلالية النتائج التي تخدم مباشرةً مصالح مموليها.[19]
سادساً: تتجاهل الدراسة تماماً المساهمة العامة في اكتشاف الأدوية. والأرقام هنا مذهلة.
الجمهور يدفع مرتَين
وجدت دراسة كليري وزملائها عام 2018 في PNAS أن تمويل المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية (NIH) ساهم في الأبحاث المنشورة المرتبطة بكل واحدٍ من الأدوية الـ210 التي وافقت عليها FDA بين عامي 2010 و2016. وبلغ إجمالي التمويل ما يزيد على 100 مليار دولار عبر أكثر من 200,000 سنة من المنح البحثية.[20] وفي تحليلٍ موسعٍ عام 2023 شمل 356 دواءً معتمداً بين عامي 2010 و2019، تبين أن NIH استثمرت 187 مليار دولار في الأبحاث المرتبطة بها. وقدر متوسط إنفاق NIH على البحوث الأساسية لكل دواءٍ أول في فئته بنحو 1.44 مليار دولار، وهو رقمٌ لا يقل عن استثمار الصناعة ذاتها.[21]
تقدم لقاحات كوفيد بتقنية الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) المثال الأوضح. تجاوز الاستثمار العام الأمريكي فيها 31.9 مليار دولار حتى مارس 2022، شاملاً عقوداً من أبحاث NIH ومنح DARPA وعقود عملية Warp Speed التي أزالت كل أنواع المخاطر العلمية والتنظيمية والتصنيعية والسوقية. ومع ذلك، جنت شركة موديرنا وحدها عشرات المليارات.[22] يدفع الجمهور إذن مرتَين: مرة بضرائبه التي تمول الاكتشاف، ومرةً بأسعارٍ مرتفعةٍ حين يشتري الدواء.
حين يتنكر التسويق بلباس العلم
ثمة جانبٌ مظلمٌ في حسابات البحث والتطوير نادراً ما يناقَش. “تجارب الاستزراع” (Seeding Trials) هي دراساتٌ سريرية تجرى بعد الموافقة على الدواء، هدفها المعلَن علمي لكن غرضها الحقيقي تسويقيٌ: حمل الأطباء على وصف الدواء عبر إشراكهم في الدراسة بصفتهم “باحثين مشاركين”.[23]
في قضية دواء فيوكس (Vioxx) المضاد للالتهاب، كشفت وثائق داخليةٌ لشركة ميرك أن تجربة ADVANTAGE صممت من قِبَل قسم التسويق لا قسم البحث العلمي. وتظهر هذه الممارسات في الميزانيات بوصفها إنفاقاً على “البحث والتطوير”، مما يضخم الأرقام التي توظَف لاحقاً لتبرير الأسعار المرتفعة.[23]
الذكاء الاصطناعي: وعد كبير وأثر صغير حتى الآن
أبرز حالةٍ في هذا الصدد هي دواء رنتوسيرتيب (Rentosertib) من شركة Insilico Medicine. حدد فيه الهدف البيولوجي والجزيء الدوائي معاً باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، وأنجزت مرحلة الاكتشاف في 18 شهراً بتكلفة 150,000 دولار فقط، مقابل سنتين ونصف إلى 4 سنوات للمتوسط الصناعي.[24] وفي يونيو 2025، أظهرت نتائج المرحلة الثانية في Nature Medicine تحسناً ملموساً لدى مرضى التليف الرئوي، في أول إثباتٍ سريري لاكتشافٍ دوائي مدعومٍ بالذكاء الاصطناعي من البداية إلى النهاية.[25]
يقتضي التقييم الأمين الاعتراف بأن الذكاء الاصطناعي ضغط حتى الآن مرحلةَ الاكتشاف، وهي الأرخص في المسار. أما المراحل السريرية الباهظة فلم تتأثر بعد. ولم يحصل أي دواءٍ طور بالذكاء الاصطناعي على موافقةٍ كاملة حتى الآن. وكما لاحظ تقرير Deloitte لعام 2025، فإن الذكاء الاصطناعي “لم يحدث بعد أثراً في مسار المئة شهر من المختبر إلى التسجيل”.[26]
الأرقام التي تفضحها الإفصاحات المالية
إذا كان رقم الـ2.6 مليار هو الحجة المركزية لتبرير الأسعار المرتفعة، فإن الإفصاحات المالية للشركات ذاتها تقوضه من الداخل. وجدت دراسة أنجيليس وزملائه في BMJ عام 2023 أن 15 من أكبر شركات الأدوية أنفقت 2.2 تريليون دولار على التسويق والمصاريف الإدارية، مقابل 1.4 تريليون فقط على البحث بين عامي 1999 و2018. وتجاوز الإنفاق التسويقي البحثي بنسبةٍ بلغت 57%.[27] وأنفقت 14 شركة كبرى 747 مليار دولار على إعادة شراء أسهمها وتوزيعات الأرباح بين عامي 2012 و2021، أي ما يزيد على ما استثمرته في البحث بنسبة 13%.[28]
تؤكد هوامش الربح الصورة ذاتها. وجدت دراسة ليدلي وزملائه في JAMA أن هامش الربح الإجمالي لشركات الأدوية بلغ 76.5%، مقابل 37.4% لبقية شركات S&P 500. وأن متوسط هامش صافي الربح للشركات الدوائية بلغ 13.8% سنوياً، مقابل 7.7% لباقي الشركات الكبرى.[29]
تقدم قصة هيوميرا (Humira) النموذج الأكثر فجاجة. تجاوزت الإيرادات التراكمية للدواء 200 مليار دولار، مقابل 5.2 مليار دولار فقط استثمرت في بحثه. أي أن البحث لم يمثل سوى 7.4% من الإيرادات الأمريكية. وقدمت شركة AbbVie ما يزيد على 250 طلب براءة اختراع على الدواء، نحو 90% منها بعد الموافقة الأصلية. أنشأت بذلك “غابة براءات” أخرت دخول البدائل الحيوية إلى السوق 7 سنوات كاملة. وحين دخلت هذه البدائل سوق هولندا أخيراً، انخفضت الأسعار بنسبة 90%.[28]
والأكثر دلالة دراسةٌ في JAMA Network Open عام 2022 لم تجد أيَ ارتباطٍ إحصائي بين حجم الاستثمار البحثي وأسعار إطلاق الأدوية.[30] تسعر الشركات أدويتها وفقاً لأقصى ما يحتمله السوق، لا وفقاً لما أنفقته على البحث. ويؤكد تحليل RAND لعام 2024 أن أسعار الأدوية الأمريكية تبلغ 2.78 ضعف المتوسط في 33 دولة، وترتفع إلى 4.22 ضعف للأدوية ذات العلامة التجارية.[31] تباع الجزيئات ذاتها بأسعار أقل بكثير في دولٍ تفاوض على الأسعار، دون أن ينهار فيها الابتكار.
نموذج بديل يثبت أن الابتكار ممكنٌ بأقل
تقدم مبادرة أدوية الأمراض المهملة (DNDi) الدليل العملي. تتراوح تكلفة تطوير كيانٍ كيميائي جديد عبرها بين 60 و190 مليون يورو شاملةً تكاليف الفشل، بينما تنخفض تكلفة إعادة استخدام أدويةٍ حالية إلى ما بين 4 و32 مليون يورو فقط.[32] تعتمد المبادرة على فصل تكلفة البحث عن سعر المنتج، مما يثبت أن جزءاً كبيراً من رقم الـ2.6 مليار هو نتاج البنية الرأسمالية لا الضرورة العلمية.
خاتمة: صراع على القيمة لا مسألة حسابية
التكلفة الحقيقية لتطوير دواءٍ جديد لا تبلغ 2.6 مليار دولار. تتجمع التقديرات المستقلة الأكثر مصداقية حول 700 مليون إلى 1.3 مليار دولار حين نشمل تكاليف الفشل ونستخدم معدل خصمٍ معقولاً. ورقم تافتس مضخمٌ بمعدل خصمٍ مرتفع، وعينةٍ منحازة، وافتراضاتٍ غير مرتبطةٍ ببيانات فعلية، وتجاهلٍ كاملٍ للإعانات الضريبية والمساهمات البحثية العامة.
ولا أحد ينكر أن تطوير الأدوية عملية مكلفة ومحفوفة بالمخاطر فعلاً. فالبيولوجيا البشرية معقدة، والفشل حقيقي، وضريبة الاستنزاف باهظة. غير أن شركاتٍ تنفق على إعادة شراء أسهمها أكثر مما تنفق على البحث، وتحقق هوامش ربحٍ تفوق كثيراً متوسط الشركات الكبرى، وتسعر أدويتها بأربعة أضعاف الأسعار الدولية، تعجز عن أن تدعي بمصداقيةٍ أن الأسعار المرتفعة هي ثمن الابتكار وحسب.
لغز الملياري دولار في جوهره صراعٌ على القيمة: من يتحمل تكلفة الابتكار، ومن يجني ثماره، ومن يحرم منه. وهذا الصراع هو الذي سيحدد ملامح العدالة الصحية في القرن الحادي والعشرين.
في الجزء الثاني من هذه السلسلة ناقشنا في هذا الجزء تكاليف تطوير الأدوية الكيميائية التقليدية. لكن صناعة الأدوية تشهد تحولاً جذرياً نحو المنتجات البيولوجية والعلاجات الخلوية والجينية: أدويةٌ تنتجها خلايا حية، وعلاجاتٌ تكلف جرعتها الواحدة أكثر من نصف مليون دولار تصنيعاً وحده. وفي الجزء الثاني نستكشف كيف تختلف اقتصاديات هذا العالم الجديد، ولماذا حصلت شركةٌ على ثلاث موافقاتٍ تنظيمية ثم بيعت بـ29 مليون دولار فقط.
- 1 Tufts Center for the Study of Drug Development. Cost to Develop and Win Marketing Approval for a New Drug Is $2.6 Billion [media briefing]. Boston: Tufts CSDD; 2014 Nov 18. Available from: csdd.tufts.edu/cost-study
- 2 DiMasi JA, Grabowski HG, Hansen RW. Innovation in the pharmaceutical industry: New estimates of R&D costs. J Health Econ. 2016;47:20–33. DOI: 10.1016/j.jhealeco.2016.01.012
- 3 Prasad V, Mailankody S. Research and development spending to bring a single cancer drug to market and revenues after approval. JAMA Intern Med. 2017;177(11):1569–1575. DOI: 10.1001/jamainternmed.2017.3601
- 4 Wouters OJ, McKee M, Luyten J. Estimated research and development investment needed to bring a new medicine to market, 2009–2018. JAMA. 2020;323(9):844–853. DOI: 10.1001/jama.2020.1166
- 5 Sertkaya A, Beleche T, Jessup A, Sommers BD. Costs of drug development and research and development intensity in the US, 2000–2018. JAMA Netw Open. 2024;7(6):e2415445. DOI: 10.1001/jamanetworkopen.2024.15445
- 6 Avorn J. The $2.6 billion pill — methodologic and policy considerations. N Engl J Med. 2015;372(20):1877–1879. DOI: 10.1056/NEJMp1500848
- 7 Sertkaya A, Wong HH, Jessup A, Beleche T. Key cost drivers of pharmaceutical clinical trials in the United States. Clin Trials. 2016;13(2):117–126. DOI: 10.1177/1740774515625964
- 8 Smietana K, Ekstrom L, Jeffery B, Møller M. Why are clinical development success rates falling? Norstella/Citeline Pharma Intelligence; 2024. Available from: norstella.com
- 9 Hettle R, Corbett M, Hinde S, Hodgson R, Jones-Diette J, Woolacott N, et al. Challenges in bringing gene therapies to market: economic and clinical considerations. Evernorth Research Institute; 2024. Available from: evernorth.com
- 10 US Food and Drug Administration. Prescription Drug User Fee Rates for Fiscal Year 2025. Federal Register. 2024;89(147):61428–61435. Available from: federalregister.gov
- 11 US Food and Drug Administration. Prescription Drug User Fee Rates for Fiscal Year 2026. Federal Register. 2025;90(145). Available from: federalregister.gov
- 12 Cummings JL, Morstorf T, Zhong K. Alzheimer’s disease drug-development pipeline: few candidates, frequent failures. Alzheimers Res Ther. 2014;6(4):37. DOI: 10.1186/alzrt269
- 13 Office of Management and Budget. Circular A-94: Guidelines and Discount Rates for Benefit-Cost Analysis of Federal Programs. Washington, DC: Executive Office of the President; revised 2023. Available from: whitehouse.gov
- 14 Light DW, Warburton R. Demythologizing the high costs of pharmaceutical research. BioSocieties. 2011;6(1):34–50. DOI: 10.1057/biosoc.2010.40
- 15 Love J. KEI comment on the new Tufts Study on Drug Development Costs. Washington, DC: Knowledge Ecology International; 2014 Nov 18. Available from: keionline.org/22646
- 16 Public Citizen. Pharmaceutical research costs: the myth of the $2.6 billion pill. Washington, DC: Public Citizen; 2017. Available from: citizen.org
- 17 Médecins Sans Frontières. R&D cost estimates: MSF response to Tufts CSDD study on cost to develop a new drug. New York: MSF Access Campaign; 2014 Nov 18. Available from: doctorswithoutborders.org
- 18 Médecins Sans Frontières. MSF publishes cost of its TB clinical trial in a transparency first. New York: MSF Access Campaign; 2024 Oct. Available from: doctorswithoutborders.org
- 19 Tufts Center for the Study of Drug Development. Research overview: Tufts CSDD funding sources. Boston: Tufts University. Available from: csdd.tufts.edu/research/research-overview
- 20 Galkina Cleary E, Beierlein JM, Khanuja NS, McNamee LM, Ledley FD. Contribution of NIH funding to new drug approvals 2010–2016. Proc Natl Acad Sci U S A. 2018;115(10):2329–2334. DOI: 10.1073/pnas.1715368115
- 21 Galkina Cleary E, Jackson MJ, Zhou EW, Ledley FD. Comparison of research spending on new drug approvals by the National Institutes of Health vs the pharmaceutical industry, 2010–2019. JAMA Health Forum. 2023;4(4):e230511. DOI: 10.1001/jamahealthforum.2023.0511
- 22 Lalani HS, Nagar S, Sarpatwari A, Barenie RE, Avorn J, Rome BN, et al. US public investment in development of mRNA covid-19 vaccines: retrospective cohort study. BMJ. 2023;380:e073747. DOI: 10.1136/bmj-2022-073747
- 23 Hill KP, Ross JS, Egilman DS, Krumholz HM. The ADVANTAGE seeding trial: a review of internal documents. Ann Intern Med. 2008;149(4):251–258. DOI: 10.7326/0003-4819-149-4-200808190-00006
- 24 Insilico Medicine. Rentosertib (ISM001-055) discovery and development: press releases archive 2024–2025. Hong Kong/New York: Insilico Medicine. Available from: insilico.com
- 25 Insilico Medicine. Nature Medicine publication of Phase IIa results of Rentosertib in idiopathic pulmonary fibrosis. Press release; 2025 Jun. Available from: insilico.com
- 26 From 1.5% to 5.9%: Deloitte explores what’s fueling Big Pharma’s R&D IRR climb. Drug Discovery Trends; 2025. Available from: drugdiscoverytrends.com
- 27 Angelis A, Polyakov R, Wouters OJ, Torreele E, McKee M. High drug prices are not justified by industry’s spending on research and development. BMJ. 2023;380:e071710. DOI: 10.1136/bmj-2022-071710
- 28 US House Committee on Oversight and Reform. Drug pricing investigation: AbbVie — Humira and Imbruvica. Staff report. Washington, DC: 117th Congress; 2021 May. Available from: docs.house.gov
- 29 Ledley FD, McCoy SS, Vaughan G, Galkina Cleary E. Profitability of large pharmaceutical companies compared with other large public companies. JAMA. 2020;323(9):834–843. DOI: 10.1001/jama.2020.0442
- 30 Wouters OJ, Berenbrok LA, He M, Li Y, Hernandez I. Association of research and development investments with treatment costs for new drugs approved from 2009 to 2018. JAMA Netw Open. 2022;5(9):e2218623. DOI: 10.1001/jamanetworkopen.2022.18623
- 31 Mulcahy AW, Schwam D, Lovejoy SL. International Prescription Drug Price Comparisons: Estimates Using 2022 Data. Santa Monica, CA: RAND Corporation; 2024. Report No.: RR-A788-3. Available from: rand.org/pubs/research_reports/RRA788-3.html
- 32 Drugs for Neglected Diseases initiative. Transparency of R&D costs: an alternative model for pharmaceutical innovation. Geneva: DNDi; 2024. Available from: dndi.org/advocacy/transparency-rd-costs
البدايات · albidayat.com · صناعة الأدوية

