أمامك صوتان، الأول يتحدث بيقينيات صارمة: هذا يعالج، هذا يدمر، ما عندي هو الحق الكامل، تلك مؤامرة القوى الخفية المعتادة. الثاني يتحدث بحذر، يقول: هذا أفضل ما يقدمه العلم حتى اللحظة، لا شيء يقيني، لا يوجد جواب موحد يخبرنا منشأ هذا المرض، لدي هذه الحلول، ثم يمضي بسرد حلول (مُملة) مألوفة. ليس من العسير أن يخمن المرء أيُّ الصوتين يكسب معركة الانتباه في النهاية، فالأذن العربية اعتادت اليقين، ولم تتدرب على الشك والاحتمالات المتعددة.
إذا كنت من المستقبل وتقرأ هذه المقالة، فاعلم أننا كتبناها على وقع فتنة الطيبات، وهي من المضحكات المبكيات. فبينما نعيش حالة انسحاق حضاري كامل، طلع علينا أقوام يقولون: «ولماذا نقف عند هذا القاع؟ وماذا لو كان هناك قاع آخر؟». لسنا هنا بصدد استجداء مريدي نظام الطيبات أن يحافظوا على حياتهم فالنداءات كثير. هذه محاولة جديدة متواضعة لاستنقاذ العقل العربي واستنهاضه. الفكرة التي تقترحها المقالة تبدو متناقضة: المنهج العلمي صلب لأنه يرفض اليقين. منبع صلابته قادم من تواضعه المنهجي، من اعتراف ممارسيه بأنهم يخطئون، من اختراعهم لعبة ذكية يلعبونها ضد أنفسهم لكي تنكشف أخطاؤهم. أما الدجال فلا يلعب هذه اللعبة، ولا يقبل قواعدها، ولا يملك إجابة على السؤال الأبسط الذي يطرحه الباحث على نفسه كل صباح: ماذا لو كنتُ مخطئاً؟ هذا هو الفاصل البنيوي، وما يلي محاولة لاستكشافه.
كيف نخدع أنفسنا؟
في عام 1960، نشر عالم النفس البريطاني بيتر كاثكارت ويسون (Peter Cathcart Wason) ورقة بحثية عنوانها «عن الإخفاق في استبعاد الفرضيات في مهمة مفاهيمية». عرض الباحث على المتطوعين في الدراسة ثلاثية أرقام «2، 4، 6»، ثم أخبرهم أنها تتبع قاعدة معينة لم يحددها، وطلب منهم أن يتتبعوا هذا النمط باقتراح ثلاثيات جديدة. القاعدة الحقيقية في ذهن الباحث كانت مبهمة وغير محددة: «أي ثلاثة أرقام تصاعدية». لكن ثلاثة وعشرين مشاركاً من تسعة وعشرين فشلوا في اكتشافها، لأنهم لم يجربوا إلا الثلاثيات التي تؤكد الفرضية التي تكونت في أذهانهم منذ اللحظة الأولى: (4، 6، 8)، (10، 12، 14)، (20، 22، 24). لم يخطر لأحدهم أن يجرب (1، 2، 3) أو (5، 4، 3) لكي يختبروا ما الذي يكسر الفرضية، لا ما الذي يدعمها.[1]
هذا ما يسميه علم النفس انحياز التأكيد (confirmation bias)، وهو الأصل لكل حركة شبيهة بـ«نظام الطيبات». حين يعاني المريض داءً مزمناً متذبذباً بطبيعته -السكري، أمراض القلب والشرايين، الأمراض المناعية- يبدأ نظاماً غذائياً جديداً. تتذبذب الأعراض نحو التحسن، لأن الأمراض المزمنة بطبيعتها لا تسير في خط مستقيم، بل تتأرجح صعوداً وهبوطاً حول متوسط. وهذا التأرجح ظاهرة إحصائية صرفة وصفها فرانسيس غالتون (Francis Galton) عام 1886، وأسماها «الارتداد إلى المتوسط» (regression to the mean).[2] يعزو المريض التحسن إلى آخر تدخل جربه، يخبر أصدقاءه، ويعود من تحسنوا منهم بشهاداتهم. أما من ساءت حالتهم أو ماتوا، فيختفون من قاعدة البيانات اختفاءً صامتاً، تماماً كما اختفت طائرات الحلفاء التي لم تعد إلى قواعدها في الحرب العالمية الثانية، حين نصح الإحصائي أبراهام والد (Abraham Wald) الجيش الأمريكي عام 1943 بأن يُدرّع المناطق الخالية من ثقوب الرصاص في الطائرات العائدة، لا تلك التي نخلتها الرشاشات، لأن الطائرات المستهدفة في تلك الأجزاء السليمة لم تعد أصلاً.[3] هذا هو انحياز الناجين (survivorship bias) في صورته الأنقى، وهو النظام الحاكم للشهادات الفردية في الطب البديل من أوله إلى آخره.
أضف إلى ذلك أثر الدواء الوهمي (placebo effect)، حيث يتحسن ما بين 25 و35 % من المرضى في الذراع الضابطة لأي تجربة سريرية لمجرد أنهم اعتقدوا أنهم يتلقون علاجاً. وأضف إليه وَهم العمق التفسيري (illusion of explanatory depth) الذي وثقه روزنبليت وكييل عام 2002 في تجربة بديعة: اطلب من أي شخص أن يقيّم مدى فهمه لكيفية عمل سحاب الملابس، أو دورة المياه، أو الدراجة الهوائية، سيقيّم نفسه بدرجة عالية فالأمر بديهي. اطلب منه بعدها أن يشرح فعلاً ما يعرفه عن آلية كل منها، سينهار ذلك التقدير عند أول تفصيل، وتنكشف الفجوة بين ما يظن المرء أنه يفهمه وما يفهمه حقاً. هذه الفجوة ذاتها يقع فيها متابع الفيديوهات الطبية حين يخرج من ثلاثة مقاطع موقناً أنه استوعب الجهاز الهضمي، أو يخرج من حلقة عن السرطان متيقناً أن لديه إجابة لما يحير أطباء الأورام.[4] وأضف فوق ذلك أثر دانينغ-كروغر (Dunning-Kruger effect) الذي وثقه الباحثان في دورية «الشخصية وعلم النفس الاجتماعي» عام 1999. الجاهل الذي لا يعرف شيئاً عن مجال ما يجهل في الوقت نفسه الأدوات التي تكشف له أنه لا يعرف، فيمتلئ ثقة في رأيه قد تتجاوز ثقة الخبير المتمرس. أما الخبير، فيدرك ما لا يعرفه، فيتحفظ، فيبدو في عين العامة أقل ثقة وأضعف حجة من الواثق الجاهل. هذه المفارقة وحدها تفسر شطراً غير قليل من نجاح المؤثرين الطبيّين، فجمهورهم يقرأ التواضع المنهجي ضعفاً، ويقرأ اليقين الفج كفاءة.[5]
وفوق ذلك كله، يقف الإطار الذي صاغه دانيال كانمان (Daniel Kahneman) في كتابه «التفكير، السريع والبطيء» الصادر عام 2011: عقل الإنسان يحوي نظامين متعايشين متنافسين. النظام الأول سريع، حدسي، قصصي، واثق، يتغذى على الانفعال ويتحرك بالحكاية الفردية. النظام الثاني بطيء، إحصائي، متحفظ، متعب، يتغذى على البيانات ويعمل بالمقارنة.[6] صانع المحتوى على وسائل التواصل يخاطب النظام الأول، نظام «كبّر دماغك» كون النظام الأول هو ما يُشاهد ويُشارَك ويُحفظ. أما الباحث الجاد فيخاطب النظام الثاني، الذي يستهلك الوقت، ويستوجب الجهد، ويهرب منه القارئ كلما وجد بديلاً أسهل. المنهج العلمي اختراع مزدوج إذاً: ضد الجهل في موضوع ما من جهة، وضد ما يفعله العقل البشري حين يفكر بفطرته الأولى من جهة أخرى.
الاستدلال عند العلماء المسلمين
من المغالطات الراسخة في الخطاب الفكري المعاصر أن المنهج العلمي صناعة غربية محضة، نتاج عصر النهضة الأوربية، وفد إلينا مع البخار والكهرباء. هذا التصور مريح، لأنه يعفي من السؤال عما فعلناه نحن بميراثنا، ويحول النقاش من مسؤولية ذاتية إلى صراع هويات. الحقيقة التاريخية مختلفة، وأشد قسوة، لأنها لا تترك للمتلكئ مخرجاً مريحاً يهرب إليه.
في القرن العاشر الميلادي، كتب أبو بكر محمد بن زكريا الرازي في كتابه «الحاوي» وصفاً لتجربة سريرية مقارنة قبل أن يولد فرانسيس بيكون بستة قرون. كان الرازي يعالج مرضى يظهرون أعراضاً تشبه ما نسميه اليوم بالأعراض البادرة لالتهاب السحايا (السرسام بلغة عصره)، وكان العلاج المعتاد هو الفصد. لم يكتفِ الرازي بفصد جميع مرضاه ومراقبة النتيجة. كتب، بحسب الترجمة المحفوظة في مكتبة جيمس ليند (James Lind Library) والمنقولة في مجلة الجمعية الملكية للطب عام 2006: «فأنقذتُ بذلك جماعة، وتركتُ جماعة أخرى عن قصد، ليصح لي رأيٌ، فبرز جميع أولئك من السرسام- أي أصيب جميع أولئك».[7] العلاج خاطئ بمعايير اليوم، إذ نعلم أن الفصد لا يقي من التهاب السحايا. لكن المنطق المنهجي سليم: مجموعتان، نتيجة محددة، وحرمان متعمد لإحدى المجموعتين بهدف الوصول إلى رأي. هذا أصل بدائي للتجربة المضبوطة، وضعها الرازي قبل ألف عام.
ثم كان الحسن بن الهيثم في المئة التالية وكتب كتابه «المناظر»، بتحقيق عبد الحميد صبره ونشر معهد واربورغ عام 2013.[8] كلنا نعرف ابن الهيثم كعالم في الضوء والبصريات، لكنه في المناظر يظهر لنا مواهبه الموسوعية ويؤطر لفلسفة المعرفة. تجاوز ابن الهيثم الملاحظة البحتة وصاغ ما أسماه «الاعتبار المحرر»: تكرار التجربة في ظروف ضابطة، مع تغيير متغير واحد في كل مرة، وقياس النتيجة بأدوات قابلة للتدقيق. هذا، بمصطلحات اليوم، هو التصميم التجريبي. أما في كتابه «الشكوك على بطلميوس»، الذي حققه صبره ونبيل شهبي ونشر في القاهرة عام 1971، فيكتب ابن الهيثم جملة ينبغي أن تُعلَّق على جدران كل كلية طب عربية: «إن المتحري للحق ليس هو الذي ينظر إلى أقوال القدماء فيلقي قياده إليها، لكن الذي يضع ثقته فيها موضع المساءلة… ومن واجب الناظر في كتب العلماء، إذا كانت غايته معرفة الحقائق، أن يجعل نفسه خصماً لكل ما ينظر فيه».[9] هذا، قبل ديكارت بأربعة قرون، هو برنامج الشك المنهجي بأقصر تعبير ممكن.[10]
ثم يأتي علاء الدين بن النفيس في القرن الثالث عشر، ليكتب في «شرح تشريح القانون» وصفاً للدورة الدموية الرئوية يخالف فيه جالينوس صراحة، قبل ميغيل سرفيتوس (Michael Servetus) بثلاثة قرون، وقبل ويليام هارفي (William Harvey) بأربعة. يقول ابن النفيس في الفقرة الأشهر من هذا الكتاب، التي اكتُشف نصها في مكتبة برلين عام 1924 على يد الطبيب المصري محيي الدين التطاوي: «وليس بين هذين التجويفين منفذ، فإن جرم القلب هناك مصمت، لا منفذ ظاهراً كما ظنه قوم، ولا باطناً ينفذ منه الدم كما زعم جالينوس». من نقض نظرية مخالفة إلى تقديم أخرى، مستنداً على ملاحظات عملية: «بل لا بد من أن يكون نفوذ الدم من الجانب الأيمن إلى الأيسر عن طريق الرئة». ثلاث خطوات في فقرة واحدة: نقدُ سلطة معرفية معتمدة، إحلال نظرية أكثر اتساقاً مع الدليل التشريحي، واستعداد لتعريض الاستنتاج للاختبار.[11] هذه هي اللعبة العلمية بكاملها.
وإذا انتقلنا من الطب إلى المنطق والفلسفة، نجد أبا حامد الغزالي في كتابه «المنقذ من الضلال» يضع مقياساً للمعرفة اليقينية لا يبتعد كثيراً عن مقياس بوبر بعده بثمانية قرون: المعرفة اليقينية هي «ما ينكشف فيه المعلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم».[12] طبَّق الغزالي شكه على الحواس نفسها، وعلى البديهيات الأولية، ولم يقبل منها إلا ما اجتاز اختباره. وفي «تهافت الفلاسفة» أنكر العلاقة السببية الضرورية بين النار والقطن، قائلاً إن ما نشاهده هو الاقتران لا السببية، وأن إثبات السببية لا يكون بالحدس بل بالملاحظة المتكررة المضبوطة.[13] هذا، قبل ديفيد هيوم بستة قرون، هو الإطار الفلسفي الذي تنبني عليه الحاجة إلى تجارب مضبوطة.
من هذه الاستدعاءات التاريخية نتعلم أن الممارسات الذهنية التي تطلب الدليل، وتضع المعرفة القائمة موضع الشك والاختبار، وتبني المقارنة، وتصل إلى استنتاج، ليست غريبة عن تراثنا. كانت جزءاً من بنيتنا الفكرية وقد مارسها أعلامنا قبل أن نتخلى عنها، ويرثها الآخرون عنا، ثم يطورونها في غيابنا. خسرنا كل شيء: القدرة الذهنية على الاستدلال التجريبي وما تلاها من الفرص الضائعة: الوسائل التي تؤسس لهذا الاستدلال في إطار الجامعات المستقلة عن القرار السياسي والهوى المجتمعي، المختبرات الممولة، الدوريات المحكمة، الهيئات التنظيمية المستقلة، الحرية الأكاديمية. كان انقطاعنا الحضاري مدوياً ونحن نعيش آثاره اليوم، ردة حضارية كاملة.
متى تستحق الدعوى وصف «علمية»؟
في كتابه «منطق الكشف العلمي» كان السؤال المحوري الذي طرحه الفيلسوف النمساوي كارل بوبر: ما الذي يميز الدعوى العلمية عن الدعوى الزائفة؟[14] الجواب الذي صاغه قلب المسألة رأساً على عقب. لا يكفينا القول أن الدعوى علمية لإمكانية التحقق منها، فالخرافات يمكن التحقق منها أيضاً بطريقة أو بأخرى، مثل أن يكتفي المرء بالشهادات الفردية. الدعوى علمية لأنها يمكن دحضها (falsifiable). أي أن صاحبها قادر على أن يجيب، إذا سُئل، عن السؤال التالي: ما الذي يجعلك تتخلى عن نظريتك؟ ما الدليل الذي إن ظهر أمامك، اعترفت بأنك كنت مخطئاً؟[15]
هذا هو المعيار الذي يسقط فيه «نظام الطيبات» وأشباهه. لو سُئل صاحبه: «ما الذي سيحملك على التخلي عن نظامك؟»، لم يكن ليجد جواباً، لأن النظام مغلق على نفسه. حين يموت أتباعه، يُعزى الموت إلى عدم التزامهم الكامل. حين يتعافى آخرون، يُصدرون للواجهة ويُعزى تعافيهم إلى النظام. حين يفشل التطبيق، يُعزى الفشل إلى المؤامرة، أو إلى الأنا الجريحة لشركات الأدوية، أو إلى تشويش العقل الغربي. لا يوجد دليل تجريبي يمكنه كسر النظام من داخله، لأن النظام لم يُبنَ ليُكسَر، وكل من يشكك فيه يُلقى به خارج الدائرة.
في المقابل، حين أراد الأطباء البريطانيون في 1948 معرفة فعالية عقار الستربتومايسين (streptomycin) في علاج السل الرئوي، أداروا أول تجربة عشوائية مضبوطة (randomized controlled trial). قُسم المرضى بالقرعة إلى مجموعتين، واحدة تتلقى الستربتومايسين، والأخرى لا تتلقى شيئاً. ولم يكن الباحث الذي يقيّم النتائج يعرف أيُّ المرضى في أيّ مجموعة.[16] هذا التصميم البسيط ظاهرياً يحل ثلاث مشكلات معرفية عميقة في آن واحد: التوزيع العشوائي يلغي الفروق الخفية بين المجموعتين، والتعمية تلغي تحيز المُقيِّم، والمجموعة الضابطة تلغي أثر السير الطبيعي للمرض.
ثم جاءت إضافات أخرى رافقت التجربة وعمَّقت أدواتها. معايير برادفورد هيل التسعة للاستدلال السببي، التي نشرها عام 1965 في دورية «وقائع الجمعية الملكية للطب»، فرَّقت بين الارتباط والسببية بتسعة محكات لا تزال أساس علم الأوبئة.[17] ثم منهجية التحليل التلوي (meta-analysis) التي يبنى عليها عمل مؤسسة كوكرين (Cochrane Collaboration) منذ تأسيسها عام 1993، وتجمع نتائج عشرات أو مئات التجارب المستقلة في تقدير مركّب أكثر موثوقية من أي تجربة منفردة. ثم حركة التسجيل المسبق للتجارب (pre-registration) التي ظهرت بعد ورقة جون يوانيدس (John Ioannidis) الشهيرة عام 2005 في دورية «بلوس ميديسن» بعنوان «لماذا معظم نتائج البحوث المنشورة خاطئة؟».[18] كانت الورقة، التي صارت من أكثر الأوراق استشهاداً في تاريخ الطب الحديث، تطبيقاً لكيف يحاسب المنهج العلمي نفسه: اكتشف العلم بأدواته أن نتائجه تتأثر بضعف القوة الإحصائية، وصغر حجم الأثر، وحرية الباحث في اختيار التحليل، فاستحدث مزيداً من الأدوات لتصحيح نفسه.
هذا هو الفرق الجوهري الذي تدور حوله المقالة كلها. المنهج العلمي يصحح ذاته، يعترف بخطئه، يبني أدوات أدق لكشف الأخطاء التالية، ولا يدّعي الحقيقة القطعية الكاملة. أما الدجل فيدعي امتلاك حقيقة علمية بلا منهج لاختبارها، لا يملك قابلية الاعتراف بالخطأ، كون الاعتراف بالخطأ يهدم سلطته الشعورية على مريديه، والسلطة هي رأس ماله الوحيد. هنا تكمن المفارقة الإدراكية التي ينبغي على الجميع استيعابها: من يبدو واثقاً تماماً ينبغي أن يثير شكوكنا، ومن يبدو حذراً في ادعاءاته يستحق ثقتنا أكثر، لأن الحذر علامة على وجود معايير، وعلى استعداد لتعديل الموقف أمام الدليل.
ثلاث مرات أنقذنا المنهج من الحدس والخبرة
يمكن أن نروي تاريخ الطب الحديث بوصفه سلسلة من الانتصارات، لكنه قد يُقرأ أيضاً بوصفه سلسلة اعترافات بأن الحدس الطبي خدعنا، وأن المنهج كشف الخديعة. ثلاث محطات من هذا التاريخ تستحق أن تُروى لكل من يقول إن المنهج العلمي بطيء وأن الخبرة الفردية كافية.
في فيينا عام 1847، كانت العيادة التوليدية الأولى في مستشفى فيينا العام يديرها الأطباء، فيما تديرها القابلات في العيادة الثانية. كانت نسبة وفيات الأمهات بعد الولادة في العيادة الأولى تتجاوز 18 % في بعض الأشهر، بينما تنخفض إلى أقل من 3 % في العيادة الثانية. لاحظ طبيب مجري اسمه إغناتس سيميلفايس (Ignaz Semmelweis) أن الأطباء كانوا يأتون مباشرة من غرف التشريح إلى غرف الولادة دون غسل أيديهم، فيما لم تكن القابلات يدخلن غرفة التشريح أصلاً. افترض أن «جزيئات جثثية» على أيدي الأطباء هي السبب، وفرض على فريقه غسل اليدين بالكلس المعالج. هبطت نسبة الوفيات في 1848 إلى أقل من 2 %. نشر سيميلفايس بياناته في كتابه «أسباب الحمى النفاسية ومفهومها والوقاية منها» عام 1861. لكن المؤسسة الطبية في عصره رفضت استنتاجه، واتهمته بتلويث سمعة الطب الأكاديمي. مات سيميلفايس في مصحة للأمراض العقلية عام 1865، في العام نفسه الذي بدأ فيه لويس باستور (Louis Pasteur) بنشر أعماله عن الجراثيم.[19] الحدس الطبي السائد قتل آلاف الأمهات لأن الدليل الإحصائي الذي قدمه باحث منفرد لم يكن مدعوماً بنظرية جرثومية معتمدة بعد.
في عام 1957، طرحت شركة كيمي غرونيتال الألمانية (Chemie Grünenthal) عقار الثاليدومايد (thalidomide) كمسكن آمن للنساء الحوامل، يُباع بلا وصفة طبية في عشرين دولة. حين قدمت شركة ريتشاردسون-ميريل طلب اعتماد العقار للسوق الأمريكية بين 1960 و1961، صادفت محققة جديدة في إدارة الغذاء والدواء (FDA) اسمها فرانسيس كيلسي (Frances Oldham Kelsey)، حاصلة على دكتوراه في علم الأدوية. رفضت كيلسي الطلب ست مرات، مطالبةً ببيانات أمان جنينية لم تُقدَّم. وحتى عام 1962، كان الثاليدومايد قد تسبب في تشوهات خلقية شديدة لأكثر من 10000 طفل في العالم، مات نحو 40 % منهم حول الولادة.[20] أصدر الكونغرس الأمريكي قانون كيفوفر-هاريس في 1962، الذي ألزم لأول مرة بإثبات فعالية الدواء وأمانه عبر تجارب سريرية صارمة، وبموافقة مستنيرة من المشاركين.[21]
أما الحادثة الثالثة فكانت في الثمانينات. كان منطق الحدس الطبي يقول إن الوفيات المفاجئة بعد احتشاء عضلة القلب تنشأ من اضطرابات نظم بطينية، وأن قمع هذه الاضطرابات بالأدوية ينبغي أن يقلل الوفيات المفاجئة. أدوية مثل الإنكاينيد (encainide) والفليكاينيد (flecainide) كانت فعلاً تقمع الاضطرابات، وكان الإجماع الفسيولوجي على فعاليتها شبه كامل. لكن تجربة قمع اضطراب نظم القلب (Cardiac Arrhythmia Suppression Trial) التي أدارها المعهد الوطني الأمريكي للقلب بين 1986 و1989، ونشرت نتائجها في (New England Journal of Medicine) عام 1991، وجدت أن الذراع التي تناولت الأدوية ماتت بمعدل يقارب ضعف الذراع التي تناولت الدواء الوهمي. أُوقفت التجربة قبل اكتمالها بسنوات لأن استمرارها كان يعني قتل المزيد من المرضى.[22] الحدس الفسيولوجي كان منطقياً، مُجمعاً عليه، وفاتكاً تماماً. ولم يكشفه شيء سوى تصميم تجريبي صارم تقبَّل احتمال أن المتعارف عليه قد يكون خطأ.
ثلاث قصص متباعدة الزمان والمكان، تتفق على درس واحد. الحدس الطبي الفردي، مهما تأكدته السلطة المؤسسية ومهما رسخه التوافق الجماعي، يبقى عرضة للخطأ ما لم تختبره منظومة تصميم تجريبي تفترض ابتداءً أن صاحبها قد يكون مخطئاً، وتبني آلية لكشف الخطأ على نفسه قبل أن يكشفه الزمن على المرضى. هذه المنظومة هي ما نسميه المنهج العلمي، وهي ما يفتقدها كل من يبيعك يقيناً صحياً مستنداً على «خبرته» الطويلة وتجارب مرضاه الذين لا يعرفهم أحد.
لماذا تربح الثقة العمياء على وسائل التواصل؟
نشر ثلاثة باحثين من معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) في دورية (Science) دراسة عنوانها «انتشار الأخبار الصحيحة والكاذبة على الإنترنت». حللوا حوالي 126000 سلسلة من الشائعات تداولها 3 ملايين مستخدم في 4.5 مليون تغريدة على تويتر بين 2006 و2017. النتيجة الرئيسية كانت أن الأخبار الكاذبة انتشرت أبعد وأسرع وأعمق وأوسع من الأخبار الصحيحة في جميع الفئات. وفي الحالات القصوى، وصلت الأخبار الكاذبة الأشد انتشاراً إلى ما بين 1000 و100000 مستخدم، فيما نادراً ما تجاوزت الأخبار الصحيحة 1000.[23]
الآلية التي يقترحها الباحثون هي الصدمة. الأخبار الكاذبة، بطبيعتها التي لا تتقيد بالواقع، تكون صادمة وغير متوقعة من الأخبار الصحيحة، والبشر يميلون إلى مشاركة ما يفاجئهم. الواثق المبتكر يهزم الحذِر المتحفظ في معركة الانتباه قبل أن تبدأ. «البيض جنين طور التكوين لا يؤكل، القولون أصل الأدواء، الكركم يعالج السرطان» جديد ومفاجئ، يستحق المشاركة في مجموعة العائلة. «تجنب الإفراط في الدهون المشبعة، مارس الرياضة بانتظام، نم مبكراً واستشر طبيبك» قديم ومألوف ومن دون قيمة سوقية تذكر. خوارزميات منصات التواصل، التي تكافئ على التفاعل لا على الصدق، تضخم هذه الفجوة.
ناعومي أوريسكيس (Naomi Oreskes) وإريك كونوي (Erik Conway) وثقا في كتابهما «تجار الشك» الصادر عام 2010 كيف نجحت مجموعة صغيرة من العلماء المعارضين، بتمويل من شركات التبغ ثم شركات الوقود الأحفوري، في تصنيع شك عام منهجي حول مخاطر التدخين، ثم حول التغير المناخي.[24] كاس صنستاين (Cass Sunstein) وأدريان فيرميل (Adrian Vermeule) درسا في ورقتهما عن نظريات المؤامرة عام 2009 لماذا تقاوم الشبكات المعلوماتية التصحيح حتى أمام دليل ساحق، والجواب الذي خلصا إليه يفسر ما نشاهده على الفور.[25] المعرفة في الشبكات المغلقة عصبوية، لا معرفية. تصديق الفكرة جزء من الانتماء إلى الجماعة، ودحضها يهدد الانتماء قبل أن يهدد الفكرة، فيدافع المنتمي عن انتمائه ظاناً أنه يدافع عن حقيقة.
لكن العلاج لا يأتي بتجاهل ما يقوله المشككون. لا بد من الاعتراف الصريح بأن المنظومة الطبية الحديثة فشلت في حالات بعينها، وأن جزءاً من الشك العام نتاج هذه الإخفاقات. شركة بوردو فارما (Purdue Pharma) سوقت عقار أوكسيكونتين (OxyContin) منذ 1995 بادعاء أن إطلاقه المؤجل «يُعتقد أنه يقلل من احتمال الإدمان». الادعاء كان دعائياً لا علمياً، اعترفت به الشركة لاحقاً ودفعت تسوية بلغت 8.3 مليار دولار بعد أن دفع مئات الآلاف حياتهم بسبب الجرعات الزائدة.[26] عقار فيوكس (Vioxx) للالتهاب طُرح في 1999 وسُحب في 2004 بعد أن أظهرت تجربة APPROVe أنه يضاعف خطر الجلطة القلبية، وقدّر محلل في إدارة الغذاء والدواء أمام الكونغرس أن العقار تسبب بين 88 ألف و139 ألف جلطة قلبية إضافية في الولايات المتحدة.[27] مراجعة كوكرين منهجية لـ75 ورقة و4583 دراسة، أعدها لوند وزملاؤه عام 2017، وجدت أن الدراسات الممولة من الصناعة الدوائية تنتج نتائج إيجابية للعقار بنسبة ضعفين تقريباً عن الدراسات المستقلة.[28] الانحياز موجود، ومخفي تحت غطاءات أكاديمية أحياناً، وقد دفع المرضى ثمنه. لا ينبغي لأحد أن يماري في ذلك.
لكن النقطة الجوهرية، التي يعجز خطاب «الطب البديل» عن الإجابة عليها، هي: من كشف هذه الإخفاقات؟ كشفها المنهج العلمي ذاته. مراجعة كوكرين أداة علمية. تحقيق إدارة الغذاء والدواء أداة علمية. ورقة «لانست» عن فيوكس أداة علمية. ودراسة توسكيغي للسيفلس (Tuskegee)، التي شارك فيها 600 أمريكي من أصول أفريقية تركوا بلا علاج عن قصد بين 1932 و1972، كشفها صحفي اعتمد على وثائق وزارة الصحة الأمريكية،[29] فأنتجت تقرير بيلمونت (Belmont Report) عام 1979 الذي يحكم اليوم أخلاقيات البحث على البشر في العالم كله.[30]
وفي السياق العربي وثّق الباحث أحمد الراوي وزملاؤه في دورية «JMIR Infodemiology» عام 2022 أنماطاً منهجية لانتشار المعلومات الطبية المضللة باللغة العربية على تويتر، مع تركيز كبير على نظريات المؤامرة حول شركات الأدوية واللقاحات.[31] ودراسة منهجية أخرى قادها مالك سلام في 2022 وجدت أن نسبة قبول لقاح كوفيد 19 بين العاملين الصحيين العرب لم تتجاوز 60 بالمئة في المتوسط، وانخفضت في مصر إلى ما يقرب من ثلث العاملين.[32]
الفجوة الكورية: مقاييس قاسية وممكنات قائمة
كل ما سبق يطرح السؤال الذي يصعب علينا في النهاية: لماذا انكسر الميراث؟ لماذا لم ينتج العالم العربي، في عصره الحديث، مؤسسة علمية واحدة بحجم ما أنتجه ابن الهيثم في القرن الحادي عشر؟ الجواب يبدأ من الأرقام، وينتهي في القرار السياسي.
الإنفاق على البحث والتطوير، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، هو المقياس الأكثر شفافية للجدية العلمية لأي دولة. لا يمكن إنتاج بحث جاد دون تمويل جاد، ولا يمكن بناء مؤسسة معرفية تراكمية على عقد واحد من السخاء يعقبه عقد من التقشف. وفقاً لأحدث بيانات منظمة اليونسكو (UNESCO) ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) لعام 2022، تنفق كوريا الجنوبية 4.93% من ناتجها المحلي على البحث والتطوير،[33] وهي ثاني أعلى نسبة عالمياً.[34] متوسط العالم نحو 1.92%. الولايات المتحدة 3.5%. ألمانيا 3.1%. تركيا 1.32%. ماليزيا 1.04%. مصر 1.02%. السعودية 0.49%. الأردن 0.43%. متوسط الدول العربية مجتمعة لا يتجاوز 0.6%.
كوريا الجنوبية لم تكن في موقعها هذا قبل ستين عاماً. في 1960، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الكوري يقل عن 158 دولاراً، أقل من نظيره في معظم الدول العربية آنذاك. كوريا كانت قد خرجت لتوها من حرب أهلية، منهكة، مدمرة، منقسمة عسكرياً مع جارتها الشمالية، وفقيرة في الموارد الطبيعية. ما حدث بين 1960 و2020 كان معجزة حقيقية منبعه إرادة سياسية صلبة. أنشأت كوريا معهد العلوم والتقنية (KIST) عام 1966، ثم معهد كايست (KAIST) عام 1971، تحت إشراف مباشر من رئاسة الدولة، بميزانيات مستقلة عن دورات الموازنة العامة، وبحرية أكاديمية محمية قانونياً.[35] أُلزمت تكتلات الأعمال الكبرى -ما يُسمى التشيبول (chaebol) كسامسونغ وهيونداي وإل جي- بالمساهمة في تمويل البحث الصناعي مقابل حماية أسواقها المحلية.[36] رُبطت الجامعات البحثية الكورية بدوريات علمية دولية محكمة، وألزم الباحثون بالنشر فيها كشرط ترقية. الباحث الكوري الذي عاد من الخارج وجد بيئة تستقبله، تموله، وتحميه من الانحياز السياسي. بحلول 2022، بلغ نصيب الفرد الكوري من الناتج المحلي 32 ألف دولار، فيما تصدر كوريا قوائم براءات الاختراع وتنتج عمالقة تقنية عالميين.
البحث العلمي وحده لا يكفي لترسيخ طرائق المنهج والتفكير العلمي في مجتمع، لكنه يصنع البيئة التي يتشكل فيها هذا المنهج. الطالب الذي يدخل مختبراً يموّل بحوثاً قابلة للنشر في دوريات محكمة يتعلم بالممارسة أن السلطة والمصداقية العلمية تُكتسب بالبيانات لا بالصراخ. الطبيب الذي يكتب رسالة دكتوراه تحت إشراف مراجعة من أقران دوليين يتعلم أن نظريته يجب أن تكون قابلة للدحض. الإصلاح المؤسسي للمنهج يبدأ ببنية بحثية حقيقية يعمل فيها الباحثون الفعليون. منها تنتشر العادة الذهنية، تدريجاً، إلى المجتمع، ومنها يولد جيل من الأطباء والصيادلة والمعلمين تختلف نسبة التفكير الإحصائي في عقولهم عن النسبة السائدة اليوم.
خاتمة: الأربعة العاصمة
كل ما طرحناه هنا يكثف فهمنا لحقيقة المنهج العلمي. المنهج العلمي عادة ذهنية يمكن لأي إنسان التدرب عليها وممارستها. أربعة أسئلة يضعها كل قارئ نصب عينيه قبل أن يصدق دعوى طبية ما. ما الدليل؟ ما المقارنة؟ ماذا حدث لمن لم يتعافَ؟ ما الدليل الذي يجعل القائل بالدعوى يتراجع عنها؟ من يجيب عن هذه الأسئلة الأربعة جدير بالاستماع، ومن يتهرب منها جدير بالشك. هذه الأسئلة الأربعة، إذا انتشرت بين الناس انتشار الحكمة الشعبية، كافية وحدها لتقليص جمهور الدجالين إلى نسبة لا تضر.
المراجع
- Wason PC. On the failure to eliminate hypotheses in a conceptual task. Q J Exp Psychol. 1960;12(3):129–140. DOI: 10.1080/17470216008416717
- Galton F. Regression towards mediocrity in hereditary stature. J Anthropol Inst G B Irel. 1886;15:246–263. DOI: 10.2307/2841583
- Wald A. A Method of Estimating Plane Vulnerability Based on Damage of Survivors. Center for Naval Analyses CRC 432; 1980 (originally 1943). Available from: apps.dtic.mil
- Rozenblit L, Keil F. The misunderstood limits of folk science: an illusion of explanatory depth. Cogn Sci. 2002;26(5):521–562. DOI: 10.1207/s15516709cog2605_1
- Kruger J, Dunning D. Unskilled and unaware of it: how difficulties in recognizing one’s own incompetence lead to inflated self-assessments. J Pers Soc Psychol. 1999;77(6):1121–1134. DOI: 10.1037/0022-3514.77.6.1121
- Kahneman D. Thinking, Fast and Slow. New York: Farrar, Straus and Giroux; 2011. ISBN: 978-0374275631.
- Tibi S. Al-Razi and Islamic medicine in the 9th century. J R Soc Med. 2006;99(4):206–207. DOI: 10.1258/jrsm.99.4.206
- Sabra AI (ed.). The Optics of Ibn al-Haytham, Books I–III: On Direct Vision. London: Warburg Institute; 1989. Books IV–V: Sabra AI, Hogendijk JP (eds.). Chicago: University of Chicago Press; 2023. Available from: press.uchicago.edu
- Ibn al-Haytham. Al-Shukuk ‘ala Batlamyus (Doubts Concerning Ptolemy). Sabra AI, Shehaby N, eds. Cairo: National Library Press; 1971.
- El-Bizri N. A Philosophical Perspective on Alhazen’s Optics. Arabic Sciences and Philosophy. 2005;15(2):189–218. DOI: 10.1017/S0957423905000172
- West JB. Ibn al-Nafis, the pulmonary circulation, and the Islamic Golden Age. J Appl Physiol. 2008;105(6):1877–1880. DOI: 10.1152/japplphysiol.91171.2008
- Al-Ghazali AH. Deliverance from Error (al-Munqidh min al-Dalal). Watt WM, transl. In: The Faith and Practice of al-Ghazali. London: George Allen & Unwin; 1953. Available from: ghazali.org
- Al-Ghazali AH. The Incoherence of the Philosophers (Tahafut al-Falasifa). Marmura ME, transl. 2nd ed. Provo, UT: Brigham Young University Press; 2000. ISBN: 978-0842524667.
- Popper KR. The Logic of Scientific Discovery. London: Hutchinson; 1959 (orig. 1934). ISBN: 978-0415278447.
- Popper KR. Conjectures and Refutations: The Growth of Scientific Knowledge. London: Routledge; 1963. ISBN: 978-0415285940.
- Medical Research Council. Streptomycin treatment of pulmonary tuberculosis. BMJ. 1948;2(4582):769–782. DOI: 10.1136/bmj.2.4582.769
- Hill AB. The Environment and Disease: Association or Causation? Proc R Soc Med. 1965;58(5):295–300. DOI: 10.1177/003591576505800503
- Ioannidis JPA. Why most published research findings are false. PLoS Med. 2005;2(8):e124. DOI: 10.1371/journal.pmed.0020124
- Kadar N. Rediscovering Ignaz Philipp Semmelweis (1818–1865). Am J Obstet Gynecol. 2019;220(1):26–39. DOI: 10.1016/j.ajog.2018.11.1084
- Vargesson N. Thalidomide-induced teratogenesis: history and mechanisms. Birth Defects Res C Embryo Today. 2015;105(2):140–156. DOI: 10.1002/bdrc.21096
- Kelsey FO. Thalidomide Update: Regulatory Aspects. Teratology. 1988;38(3):221–226. DOI: 10.1002/tera.1420380305
- Echt DS, Liebson PR, Mitchell LB, et al. Mortality and morbidity in patients receiving encainide, flecainide, or placebo. The Cardiac Arrhythmia Suppression Trial. N Engl J Med. 1991;324(12):781–788. DOI: 10.1056/NEJM199103213241201
- Vosoughi S, Roy D, Aral S. The spread of true and false news online. Science. 2018;359(6380):1146–1151. DOI: 10.1126/science.aap9559
- Oreskes N, Conway EM. Merchants of Doubt. New York: Bloomsbury Press; 2010. ISBN: 978-1596916104.
- Sunstein CR, Vermeule A. Conspiracy Theories: Causes and Cures. J Political Philos. 2009;17(2):202–227. DOI: 10.1111/j.1467-9760.2008.00325.x
- Garnett MF, Miniño AM. Drug Overdose Deaths in the United States, 2003–2023. NCHS Data Brief No. 522. Hyattsville, MD: National Center for Health Statistics; 2024 Dec. DOI: 10.15620/cdc/170565
- Topol EJ. Failing the public health: Rofecoxib, Merck, and the FDA. N Engl J Med. 2004;351(17):1707–1709. DOI: 10.1056/NEJMp048286
- Lundh A, Lexchin J, Mintzes B, Schroll JB, Bero L. Industry sponsorship and research outcome. Cochrane Database Syst Rev. 2017;2(2):MR000033. DOI: 10.1002/14651858.MR000033.pub3
- Centers for Disease Control and Prevention. About the Untreated Syphilis Study at Tuskegee. CDC; 2024. Available from: cdc.gov/tuskegee
- National Commission for the Protection of Human Subjects of Biomedical and Behavioral Research. The Belmont Report. Washington, DC: U.S. Department of Health, Education, and Welfare; 1979. Available from: hhs.gov/ohrp
- Al-Rawi A, Fakida A, Grounds K. Investigation of COVID-19 Misinformation in Arabic on Twitter: Content Analysis. JMIR Infodemiology. 2022;2(2):e37007. DOI: 10.2196/37007
- Sallam M, Al-Sanafi M, Sallam M. A Global Map of COVID-19 Vaccine Acceptance Rates per Country: An Updated Concise Narrative Review. J Multidiscip Healthc. 2022;15:21–45. DOI: 10.2147/JMDH.S347669
- UNESCO Institute for Statistics. Research and development expenditure (% of GDP), country data. UIS.Stat; 2024. Available from: data.uis.unesco.org
- Organisation for Economic Co-operation and Development. Main Science and Technology Indicators (MSTI). OECD; 2023. Available from: oecd.org/sti/msti
- Nature Index. How South Korea made itself a global innovation leader. Nature. 2020 May 27. Available from: nature.com/d41586-020-01466-7
- Studwell J. How Asia Works: Success and Failure in the World’s Most Dynamic Region. London: Profile Books; 2013. ISBN: 978-1846682438.

