نفتح الصفحة الأولى في كتاب البيولوجيا لنقرأ، هناك جين قابع في النواة، والجين يترجم للحمض الرسول، والحمض الرسول يخرج ليقدم شيفرة البروتين، والبروتين يقوم بالوظائف المختلفة، وتتكرر العملية مع كل جين. ثم نتعلم أكثر لنعرف أن الأمر أكثر من مجرد مسار باتجاه واحد، تتوالى الصفحات والأوراق والاكتشافات لنقف أمام شبكة في غاية التعقيد وفراغات هائلة في المعرفة، وهنا نتعلم الدرس الحقيقي الأول الذي يتعلمه الباحث، التواضع.
والآن تخيل خلية مفردة معزولة في طبق بلاستيكي، نعرف فيها هوية الجين المعطوب، ونملك الأداة الجزيئية الدقيقة لإسكاته أو تصحيحه، ولا يشغلنا فيها سوى عملية مرضية واحدة معزولة نريد إيقافها. الظروف كلها في صالحنا: بيئة محكومة، هدف معروف، وأداة في أيدينا. ومع ذلك، تفشل المحاولة في أكثر الأحيان. نسكِت الجين فترفع الخلية تعبير جين قريب يعوض عنه. نسد مساراً جزيئياً فينفتح مسار بديل يلتف حوله. نصيب الهدف فنحدث في الوقت ذاته أثراً جانبياً لم نحسب له حساباً. ثم يتجلى الأمر أكثر ونعلم أن ما أمامنا أكثر من آلة بسيطة فيها زر نضغطه فيتوقف العطل، وأن هناك شبكة حية معقدة تقاوم العبث بها بكل ما أوتيت من احتياطات.
هذا المشهد المتواضع، المحصور في طبق لا يتجاوز قطره بضعة سنتيمترات، هو المدخل الذي نقترحه لفهم سؤال أكبر بكثير يلاحق ملايين البشر الذين يعيشون مع مرض مزمن: لماذا لا يشفون؟ ولماذا، رغم كل ما أنجزه الطب من معجزات، يظل السكري والتهاب المفاصل وأمراض القلب والمناعة الذاتية رفاقاً دائمين لا تفارق أصحابها؟ سنتحدث هنا عن طبيعة المرض المزمن، وعن الكلمة التي نتعلق بها جميعاً ونادراً ما نتوقف لنسأل عما تعنيه فعلاً: الشفاء.
أكتب هذا وأنا أدرك أن وراء كل جملة هناك إنساناً يصارع الأمراض المزمنة ولا يطيق التعايش معها كعبءٍ ثقيل وحكم مؤبد. الإحباط من هذه الحال مشروع تماماً، والغضب من بطء العلم في مواجهة الألم اليومي مفهوم. لا أبرر في مقامنا هذا عجز الطب عن المساعدة ولا أطلب من المريض رضاً زائفاً. أكتب لأن فهم طبيعة ما نواجهه هو أول خطوات التعامل الصحيح معه، ولأن الفراغ الذي يتركه اليأس يملؤه عادةً تجار الوعود الكاذبة، الذين يبيعون ‹الشفاء التام› لمن أعياه الانتظار. حين نفهم لماذا يصعب الشفاء، نصبح أقدر على تمييز الوعد الصادق من الدجل، وأقدر على بناء حياة كريمة مع مرض ربما لن يرحل.
ويلزم قبل المضي توضيح الزاوية التي أكتب منها. أنظر إلى المرض بعين الباحث في المختبر، تلك العين التي تلاحق التغيرات على مستوى الخلية والجزيء وتظل متشككة على الدوام، لا تطمئن بسهولة إلى أن كل أثر قد زال. وهذه الزاوية تختلف عن زاوية الممارسة الطبية في العيادة، التي تتعامل مع ما يمكن قياسه ورصده: الأعراض التي يشكوها المريض، والمؤشرات الحيوية (biomarkers) في تحاليله، وصور الأشعة التي تتابع مرضاً محدداً بدقة. يحكم الطبيب بزوال المرض حين تختفي علاماته القابلة للقياس، وهو حكم عملي صحيح في سياقه، لكنه لا يدعي الإحاطة بكل أثر دقيق قد يبقى في خلية لا يطاله فحص.
ماذا يعني الشفاء؟
نتعامل مع الشفاء كأنه حالة واضحة لها طرفان: مريض ثم معافى، كمن يشعل مصباحاً فتزول العتمة دفعةً واحدة. لكن الطب، حتى في أكثر بيئاته تقدماً، لا يستعمل الكلمة بثقة مطلقة. نعلم كيف يتحدث أطباء الأورام عن مرضاهم: نادراً ما يقولون ‹شفي›، بل يقولون ‹دخل في خمود أو سكون› (remission)، أي أن علامات المرض اختفت من دون ضمان أنه زال. والمعهد الوطني الأمريكي للسرطان (National Cancer Institute) يعرف الشفاء بأنه ألا يبقى أي أثر للمرض وألا يعود أبداً، ثم يضيف على الفور أن الأطباء يفضلون كلمة ‹خمود› لأن خلايا قليلة قد تبقى كامنة بعد العلاج، وأن المرء لا يوصف بأنه ‹شفي› إلا بعد سنوات من غياب أي علامة.[1] حتى مفهوم ‹الشفاء الإحصائي› الذي يستعمله الباحثون يبين هذا الحذر: يدخل المريض قائمة الشفاء حين يعود احتمال وفاته إلى مستوى عامة الناس، أي أن الشفاء يعرَف انطلاقاً من إحصاء سكاني لا من تحقق فردي بأن المرض قد زال من الجسد.
هذا الحذر ينبع من سؤال أعمق شغل المشتغلين بفلسفة العلوم والطب: ما المرض أصلاً، وما الصحة؟ ذهب الفيلسوف كريستوفر بورس إلى أن الصحة هي أن يؤدي الجسد وظائفه كما تؤديها أجساد الناس في مثل عمرنا وجنسنا، وأن المرض خللٌ يهبط بهذا الأداء دون المعتاد.[2] في المقابل، رأى الفيلسوف الفرنسي جورج كانغيلام أن المرض ليس مجرد رقم يبتعد عن المتوسط. فالمريض، عنده، تنقصه القدرة على التكيف: قدرة الجسد السليم على أن يضع لنفسه قواعد جديدة كلما تغيرت ظروفه. الصحة في نظره هي هذه المرونة، أي القدرة على احتمال التقلبات وابتكار توازن جديد للحياة، ولذلك فالتعافي قلما يكون عودةً إلى ما كان عليه الجسد قبل المرض، وإنما هو استقرار على حالٍ جديدة كثيراً ما تكون أضيق هامشاً.[3] حين يبدو حتى تعريف المرض نفسه طيفاً متدرجاً لا حداً قاطعاً بين بياض وسواد، يتزعزع الأساس الذي يقوم عليه وعد ‹الشفاء التام› بوصفه عودةً إلى نقطة صفر لم تعد موجودة. وإذا أضفنا بعداً إيمانياً فستصبح الصحة مزيجاً من الرضا بأقدار الله، واحتساب أجر الابتلاء، والمرونة والتكيف على الحياة بقواعدها الجديدة.
ولنفترض جدلاً أن مرضاً قد حسم فعلاً وزال مسببه، كعدوى بكتيرية قضى عليها مضاد حيوي. هل يعود الجسد إلى ما كان عليه قبلها تماماً؟ الأدلة تقول إن العدوى الحادة، حتى حين ‹تشفى›، تترك أثراً في الجسد يطول أو يقصر. متلازمة ما بعد الإنتان (post-sepsis syndrome) مثال صارخ: ناجون من تعفن الدم يحملون لسنوات اعتلالاً إدراكياً وعجزاً وظيفياً واضطراباً نفسياً وخطر وفاة مرتفعاً، فالإنتان لا ينتهي بزوال أعراضه الحادة.[4] وكوفيد طويل الأمد (Long COVID) مثالٌ آخر، فالفيروس يزول من المجاري التنفسية تاركاً وراءه اعتلالاً متعدد الأجهزة قد يدوم شهوراً وسنوات.[5] بل إن العدوى تعيد برمجة خلايا المناعة الفطرية برمجةً تخلف فيها ذاكرة جزيئية تدوم بعد زوال الميكروب، ظاهرة تعرف بالمناعة المدرَبة (trained immunity)، تكون أحياناً واقيةً وأحياناً وقوداً لالتهاب لاحق.[6] الجسد الذي مر بالعدوى ليس هو الجسد الذي سبقها، وإن بدا في الظاهر أنه عاد سليماً.
والجراحة، التي نعدها أحياناً حسماً نهائياً، قد تزيل العضو المعطوب أو تصلحه أو تؤجل خطره، لكنها لا تلغي بالضرورة العملية المرضية التي أنتجته. المريض الذي تستأصل منه كتلة سرطانية ‹استئصالاً شافياً› قد تبقى في جسده خلايا متبقية مجهرية تبذر النكسة بعد سنوات، حتى إن صرح الجراح بأنه قد أزال كل شيء.[7] والكلية المزروعة بدلاً من كلية أتلفها مرض مناعي قد يهاجمها المرض نفسه فيها، لأن المسبب لم يكن في الكلية أصلاً بل في عامل يجول في الدم يهاجم أي كلية توضع مكانها.[8] في هذه الحالات لا يستأصل المرض، بل يؤجَل بينما يظل جوهره قائماً.
لماذا تقاوم الخلية محاولات الإصلاح؟
لنعد إلى الطبق البلاستيكي وإلى الخلية المفردة، فهنا يكمن مفتاح فهم المرض المزمن كله. تخيلنا الخلية طويلاً كآلة، سلسلة خطية من الأسباب والنتائج: جين يصنع بروتيناً، وبروتين يؤدي وظيفة، وعطبٌ في حلقة يصلَح بتبديل تلك الحلقة. لكن العقود الأخيرة من بيولوجيا الأنظمة كشفت صورة مختلفة جذرياً: الخلية شبكة من مسارات شديدة التعقيد، فيها احتياطات وتكرار وظيفي وحلقات تغذية راجعة، صممت لتقاوم الخلل وتحافظ على استقرارها في وجه الاضطراب. هذه الخاصية، التي يسميها الباحثون المتانة البيولوجية (biological robustness)، هي ما يبقي الكائن حياً أمام تقلبات لا تحصى، وهي نفسها ما يجعل المرض عصياً على العلاج: المنظومة التي تقاوم الخلل العشوائي تقاوم أيضاً تدخلنا العلاجي المقصود.[9]
والأدهى من ذلك أن المرض لا يصمد أمام دفاعات الجسد فحسب، بل كثيراً ما يستولي على هذه الدفاعات نفسها ويوظفها لحمايته. ينبه الباحث هيرواكي كيتانو إلى أن أمراضاً كالسرطان والسكري ليست انهياراً لمتانة الجسد، بل اختطاف لها: الآليات ذاتها التي تحمينا في الأحوال الطبيعية يستولي عليها المرض ليحصن بها نفسه ضد علاجنا. فالخلية السرطانية، حين نحاصرها بدواء، ترفع تعبير بروتينات تضخ السم خارجها، وهي وظيفة وقائية تحمي خلايانا السليمة من المواد الضارة، فإذا بالورم يسخرها لطرد الدواء والنجاة منه. بهذا يصبح ذكاء الجسد الدفاعي، الذي صانه عبر ملايين السنين، سلاحاً مشهراً في وجه من يحاول شفاءه.[9]
لتقريب الصورة، تخيل شبكة كهرباء تغذي مدينة بأكملها. لو أردت قطع التيار عن مبنى واحد فقطعت السلك الموصول إليه، قد تجد المبنى ما زال مضاءً، لأن الشبكة صممت بمسارات بديلة تعيد توجيه التيار من خط آخر فور انقطاع الأول. الشبكة لا تنهار بقطع سلك، لأن متانتها قائمة على التكرار والالتفاف والخطط البديلة. الخلية تعمل بالمنطق نفسه، وهذا ما يجعل استهداف عطب فيها أشبه بمحاولة إطفاء مبنى في شبكة تأبى أن تنطفئ.
أوضح برهان على ذلك، ظاهرة اكتشفها الباحثون حين حاولوا تعطيل جينات بعينها في الخلايا. كان المتوقع أن يؤدي حذف جين إلى غياب وظيفته وظهور خلل واضح، لكن ما حدث كثيراً أن الخلية ردت بتعويض داخلي: حذف الجين يطلق سلسلة تنتهي بتنشيط جينات قريبة تؤدي الوظيفة ذاتها أو ما يشبهها، فلا يظهر على الخلية أثر يذكر رغم فقدانها للجين. وفي سياق العلاج، تتكرر القصة نفسها بصورة محبطة: حين نثبط مساراً جزيئياً يغذي ورماً، تنشط الخلايا السرطانية مساراً موازياً يعوض الإشارة المحجوبة، فينجو الورم ويعود أشد مقاومةً.[10] هذا الالتفاف عبر المسارات البديلة صار نمطاً شبه عام في مقاومة العلاجات الموجَهة، حتى إن أكثر الأدوية دقةً في إصابة هدفها تصطدم بشبكة تعيد توجيه إشاراتها حول الحاجز الذي وضعناه.
وهنا نصل إلى حقيقة قلما تقال للمريض بصراحة. الفكرة التي قامت عليها صناعة الدواء عقوداً، فكرة ‹جين واحد، دواء واحد، مرض واحد›، أثبتت محدوديتها أمام تعقيد الأحياء. كتب الباحث أندرو هوبكينز أن كثيراً من الأدوية الفعالة لا تعمل عبر استهداف بروتين مفرد بل عبر تعديل بروتينات متعددة، وأن حذف جين مفرد في الخلية قد لا يحدث أثراً يذكر في سلوكها، وهي متانة تفهم في ضوء الوظائف المتكررة والمسارات التعويضية البديلة.[11] ولنرَ كيف يترجَم هذا التعقيد إلى فشلٍ ملموس على أرض الواقع: نحو 90% من الأدوية التي تدخل التجارب السريرية تفشل قبل أن تصل إلى المريض، ونصيب الأسد من هذا الفشل سببه نقص الفعالية أو ظهور سمية غير متوقعة.[12] هذا يحدث ونحن نستهدف جزيئاً واحداً، يصنعه أمهر الباحثين في أفضل المختبرات تمويلاً وتجهيزاً. فما أحرانا بالتواضع حين ننتقل من جزيء واحد في خلية واحدة إلى منظومة حية بأكملها؟
هنا يتكشف زيف الوعود السهلة. فإذا كان تغيير مسار واحد في خلية معزولة على طبق المختبر بهذه الصعوبة، يستنفد جهد فرق بحثية بأكملها ومئات الملايين من الدولارات وغالباً ما يفشل، فكيف نصدق من يزعم أن نظاماً غذائياً بدائياً، أو وصفة عشبية واحدة، تكفي لإسكات كل الأمراض دفعةً واحدة؟ هذه الوعود الكاذبة، وحتى بعض ما يروَج له من أدوية لا تقوم على أدلة قاطعة، تشبه أن نطلب من رامٍ في مسابقة أولمبية أن يصيب بلايين الأهداف المتناثرة في ساحة لا حدود لها، كلها في آنٍ واحد، بطلقة واحدة، وهو معصوب العينين! الجسد الحي ساحة أهدافٍ بهذا الاتساع، والوعد بإصابتها جميعاً بحركة واحدة ضربٌ من الخيال والإغراق في الوهم.
الجسد كله محكوم بالمنطق نفسه الذي يحكم الخلية: مقاومة التغيير حفاظاً على الاستقرار. هذا ما سماه الفيزيولوجي والتر كانون الاتزان الداخلي (homeostasis)، أي ميل الجسد التلقائي إلى رد أي نزوع نحو التغير بمقاومة تعيده إلى نقطة توازنه. الآلية ذاتها التي تبقينا أحياء، تحافظ على حرارتنا وسكر دمنا وحموضة أنسجتنا ضمن حدود ضيقة، هي التي تدفع ضد محاولاتنا لإزاحة الجسد عن مواضعه حين تكون تلك المواضع نفسها هي المريضة.
من الخلية إلى الإنسان
إذا كان جزيء واحد في خلية معزولة يقاوم تدخلنا بهذا العناد، فلنتأمل ما يعنيه أن نعالج إنساناً: نحو سبعة وثلاثين تريليون خلية، موزعة على أنسجة وأعضاء وأجهزة تتواصل مع بعضها بلا انقطاع، تتشابك مع جهاز مناعي يقظ، وميكروبيوم يسكن الأمعاء، وشبكة هرمونات تنظم كل شيء، وكل ذلك يتغير عبر الزمن.
من أعمق ما يفسر استمرار المرض المزمن وتدهوره مفهوم طوره عالم الأعصاب بروس ماكيوين: العبء التراكمي للتكيف (allostatic load). الجسد يواجه ضغوط الحياة بأن يغير من توازنه الداخلي ليبقى صامداً، وهذا التغيير حين يكون مؤقتاً نافعاً يحمينا. لكن المشكلة تبدأ حين يطول الضغط فلا تكف أجهزة الجسد عن بذل هذا الجهد التعويضي ليل نهار. عندئذ يتحول الجهد نفسه إلى ضرر: تتآكل الأنسجة شيئاً فشيئاً، ويختل ضبط المناعة، ويرتفع الضغط، ويضطرب سكر الدم. المرض المزمن، من هذه الزاوية، في حقيقته ثمن البقاء حياً تحت ضغط لا ينقطع.[13] وهذا يفسر لماذا تميل الأمراض المزمنة إلى التقدم لا الثبات: ما دامت المنظومة تواصل جهدها المرهِق، يتراكم العبء ويتسع نطاق الخلل.
ويضاف إلى هذا التراكم بعد يجعل المرض أشد مراوغةً: الزمن الكامن. كثير من العلل تبدأ بطفرة أو خلل جزيئي صغير يستقر في الخلية صامتاً سنوات أو عقوداً، لا يحدث أثراً ظاهراً ولا يشكو منه صاحبه، حتى تجتمع شروط بعينها أو يتراكم ضرر كافٍ فينفجر الخلل فجأةً كقنبلة موقوتة لا نعرف متى زرعت ولا متى ينتهي عدها التنازلي. الخلل الجزيئي الذي يقود إلى بعض السرطانات قد يسبق ظهور الورم بعقود، والاستعداد المناعي الذي يفجر مرضاً ذاتياً قد يكمن في الجسد طويلاً قبل أن يوقظه محفز عابر. هذا الكمون يربك مفهوم الشفاء من جذوره: كيف نتحدث عن استئصال مرض حاضرٍ بينما قد يكون أصله مزروعاً منذ زمن بعيد في خلايا لا نراها، ينتظر لحظته؟ نحن لا نواجه عدواً أمامنا فحسب، بل احتمالات كامنة لا نملك أن نجزم بغيابها.
والنظرة التي تتعامل مع المرض بوصفه عطباً في جزيء واحد قابل للإصلاح تصطدم بهذا التعقيد الشبكي. فمن المعروف اليوم أن المرض نادراً ما ينشأ عن خلل في جين مفرد، بل يعكس اضطراباً في شبكة معقدة من التفاعلات داخل الخلية وبينها، تلك التي تربط الأنسجة والأعضاء بعضها ببعض. ثم يتجلى هذا الأمر بوضوح في الشيخوخة، فمع تقدم العمر يستقر في الجسد التهاب خفيف مزمن صامت، يغذيه تراكم الخلايا الهرمة وبقايا عقود من المعارك المناعية، ويشكل أرضيةً مشتركة لأكثر الأمراض المزمنة المرتبطة بالعمر. المرض المزمن، في ضوء هذا كله، مسارٌ يتحرك في الزمن أكثر منه حالةً جامدة، تتراكم فيه الأعباء وتتشابك الأسباب، وهذا وحده يكفي لتبديد وهم الحل السحري الواحد الذي يعيد كل شيء إلى نصابه دفعةً واحدة.
الطب التجديدي، وعد الاستبدال
أمام عجز الدواء التقليدي عن إصلاح العطب، يلوح وعد آخر أكثر جرأة: إن عجزنا عن إصلاح الخلية المعطوبة، فلنستبدلها بأخرى سليمة. هذا منطق العلاج الخلوي والعلاج الجيني والأعضاء المهندَسة. زرع خلايا عصبية مشتقة من خلايا جذعية محفَزة (iPSCs) في أدمغة مرضى باركنسون أظهر في تجارب حديثة أن الخلايا المزروعة تبقى حيةً وتنتج الناقل العصبي الناقص دون أن تكون أوراماً، وهو إنجاز يستحق الاحتفاء والتقدير.[14] لكن الوعد، حين نقترب منه، مشروط بحدود لا يجوز إخفاؤها عن المريض. الخلايا المزروعة تدخل دماغاً ما زالت فيه العملية التنكسية الأصلية مستمرة، والمرض الذي أتلف الخلايا الأولى قادر على أن يطول الخلايا الجديدة بدوره. نحن نعوض نوعاً خلوياً نضب، لكننا لا نوقف بالضرورة العملية المرضية.
وإذا تناولنا العلاج الجيني، فحين نضيف نسخةً سليمة من جين معطوب إلى خلايا المريض، قد ينجح الأمر لسنوات، ثم يتراجع الأثر. في علاج الناعور (hemophilia) بالعلاج الجيني، لوحظ أن مستوى عامل التخثر يبقى مستقراً في بعض أنماطه لكنه يتناقص في أنماط أخرى بمرور الوقت، وأن المناعة المسبقة أو المتولدة ضد الناقل الفيروسي قد تمنع إعادة العلاج.[15] السبب الجوهري أن الجين المضاف لا يندمج دائماً اندماجاً دائماً في الخلية، فمع انقسام الخلايا يخف أثره، أو يخمَد بآليات جزيئية مع الزمن. العلاج الجيني يضيف جيناً عاملاً إلى خلية أو عضو، لكنه لا يصحح بالضرورة الخلل في كل خلايا الجسد، ولا يوقف السياق المرضي المحيط الذي أنتج العطب في المقام الأول. مع كل التحفظات والافتراضات، ينبغي التنبيه إلى أن هذه النوعية من العلاجات حديثة نسبية وعدد العينات محدود. نحتاج المزيد من الوقت والمرضى لنختبر الأثر.
ما يجمع هذه التقنيات الواعدة قيدٌ واحد يسهل تجاهله في خضم الحماس: الاستبدال يعالج العضو أو الخلية، لكنه يعيد القطعة المصلَحة إلى المنظومة المختلة نفسها، وإلى العملية المرضية ذاتها التي أنتجت العطب الأول. وهذا لا يقلل من قيمة هذه التقنيات، فهي تمنح سنوات وظيفية مديدة وجودة حياة لم تكن ممكنة من قبل، لكنه يضع الوعد في حجمه الصحيح: تأجيل ذكي ومقاوَمة فعالة للمرض، لا محوٌ له من الوجود.
في معنى آخر للأمل
قد يبدو كل ما سبق دعوةً إلى اليأس، لكنه نقيضه تماماً إن أحسنا قراءته. حين نفهم أن المرض المزمن منظومة مضطربة لا قطعة مكسورة، يتحول السؤال الذي نطرحه على الطب: من ‹كيف أشفى تماماً وأعود إلى ما كنت عليه؟›، إلى ‹كيف أعيش بأفضل جودة ممكنة مع منظومة لن تعود إلى ما كانت عليه؟›. وهذا السؤال الثاني، على تواضعه الظاهر، يفتح باباً من الأمل أصدق من وعود الشفاء التام، لأنه أمل قابل للتحقق. تجربة سريرية شهيرة في السكري من النوع الثاني، عرفت باسم DiRECT، أظهرت أن فقدان الوزن عبر حمية مكثفة أدخل نحو 46% من المرضى في خمود خلال عام، وأن من حافظوا على فقدان وزن كبير بقوا في الخمود بنسبة عالية بعد عامين.[16] هذا إنجاز هائل يحسن الحياة تحسيناً جوهرياً، لكنه يبقى خموداً لا شفاءً تاماً: الاستعداد للمرض يظل كامناً، والوزن إن عاد، عاد معه المرض. تغيير نمط الحياة يحسن جودة الحياة ويبطئ المرض ويزيح أعراضه، لكنه لا يستأصل الاستعداد البنيوي الذي يسكن المنظومة.
التمييز بين الخمود والشفاء هو حصننا الأمتن ضد الدجل. من يفهم أن المرض المزمن منظومة متشابكة تقاوم التغيير، لا يصدق من يعده بزر سحري واحد، أو عشبة، أو حمية، تعيد كل شيء إلى نصابه دفعةً واحدة. ولأكن منصفاً للطب: الشفاء التام ممكن في حالات بعينها، وإنكار ذلك خداع من نوع آخر. التهاب الكبد الوبائي سي صار يشفى اليوم بأدوية مضادة للفيروسات تقضي عليه في أكثر من 95% من المصابين شفاءً حقيقياً دائماً، على الأقل بمقياس الممارسة الطبية التي ترصد زوال الفيروس واختفاء أثره في التحاليل، حتى وإن بقي في الكبد ندبٌ خلفته المعركة.[17] والعدوى البكتيرية الحادة تشفى بالمضادات الحيوية، وكثير من الأورام المبكرة المحصورة تستأصل استئصالاً شافياً. القاعدة التي تميز القابل للشفاء من غيره واضحة: الشفاء الحقيقي يكون حين يكون للمرض سبب واحد قابل للإزالة، فيروس يقضى عليه أو ورم محصور يستأصل. أما المرض المزمن فلا سبب واحد له يزال، بل أسباب متشابكة في منظومة تتكيف وتقاوم وتتقدم في الزمن.
أما إذا تأملنا في الإقبال على هذه الحلول السهلة سنراها تحمل معاني كثيرة تختلف باختلاف أصحابها. فعلى مستوى المريض، يعبر عن يأسٍ وإحباطٍ نفهمه ونتعاطف معه، إذ يبحث المنهَك عن أي بصيص يخفف عنه ثقل التشخيص. وعلى مستوى المجتمع والأمة، يعبر عن حالة عامة من الكسل والبحث عن الطريق الأقصر لتجاوز الهوة الحضارية والعلمية دون دفع ثمنها من جهدٍ وبحثٍ وبناء، وهذا أمر نستهجنه ولا نلتمس له عذراً. أما على مستوى من يمارسه من الدجالين أصحاب الوعود الكاذبة، فهو في جوهره عملية خداع مكشوفة لاستجلاب ربحٍ مادي أو معنوي على حساب آلام الناس، وهذا أمر سنحاربه دائماً ولا نهادن فيه. والتمييز بين هذه المستويات الثلاثة ضروري: فالرحمة تليق بالمريض، والنقد يليق بالمجتمع، والمواجهة وحدها تليق بالدجال.
ولعل أعظم ما يجنيه المريض من فهم هذه الحقيقة أمران. أولهما أنه يحصن نفسه من الخداع: فمن أدرك أن الشفاء التام متوهَم وغير متاح في يومنا هذا، لن يبيع صحته وماله لمن يَعِده به، ولن يهجر علاجاً نافعاً يديره طبيبه طمعاً في وعد براق لا سند له. والثاني أعمق أثراً في حياته اليومية: أن يمنع المرض من أن يبتلع هويته. كثير من المرضى، في لهاثهم وراء شفاء لا يأتي، يفتحون الباب على مصراعيه للمرض يستولي على حياتهم حتى يصبح هو محور وجودهم وحديثهم وقلقهم، فلا يرون أنفسهم إلا من خلاله. والحال أن كثيراً من الأمراض المزمنة يمكن التعايش معها ودفعها إلى هامش الحياة، حيث تبقى حاضرة تدار بانتظام لكنها لا تتصدر المشهد، فيستعيد المريض اهتماماته وعلاقاته وعمله ومعنى أيامه. ولا يفوتني هنا تنبيه ضروري: ليست كل الأمراض قابلة للدفع جانباً، فبعضها ذو عبءٍ مرضي هائل يستهلك صاحبه استهلاكاً يجعل مطالبته بأن ينساه ضرباً من الإجحاف.
وفي هذا الفهم لحدود الطب ما يتسق مع يقين أعمق يحمله كثير منا. نؤمن بأن الشفاء بيد الله وحده، وأن الطبيب سبب والدواء سبب، وأن وراء كل سبب مسبِباً يجري الأمر بحكمته. حين نقر بمحدودية علم الإنسان، وأن المنظومة الحية التي نحاول إصلاحها أعقد من أن نحيط بها، فإننا لا نقر بعجزٍ يدعو إلى القنوط، بل نضع العلم في موضعه الصحيح: جهد مشكور لتخفيف البلاء، لا قدرة مطلقة على رفعه، على الأقل حتى الآن. والمرض في ميزان الإيمان ابتلاء يحتسب صبره، وترفع به الدرجات، ويبقى المؤمن فيه بين أخذٍ بالأسباب وتسليمٍ بالقدر. هذا التسليم لا ينقص شيئاً من سعينا للعلاج، لكنه يحرر القلب من وهم أن الخلاص كله بأيدينا، ومن العذاب الذي يصاحب مطاردة شفاءٍ قد لا يكون مقدراً.
ما أرجوه لمن يحمل مرضاً مزمناً أن لا يستسلم أمام المرض، بل أن يعيد توجيه طاقته من مطاردة شفاءٍ كامل موهوم إلى بناء حياةٍ كاملة ممكنة. الطب الصادق لا يَعِد بأكثر مما يستطيع، لكن ما يستطيعه ليس قليلاً: سنوات أطول، وألم أخف، وكرامة في مواجهة البلاء.
- 1 National Cancer Institute. Understanding cancer prognosis. Bethesda (MD): NCI. Available from: cancer.gov
- 2 Boorse C. Health as a theoretical concept. Philos Sci. 1977;44(4):542–573. DOI: 10.1086/288768
- 3 Canguilhem G. The Normal and the Pathological. New York: Zone Books; 1991. ISBN: 978-0942299595.
- 4 Mostel Z, Perl A, Marck M, et al. Post-sepsis syndrome – an evolving entity that afflicts survivors of sepsis. Mol Med. 2020;26(1):6. DOI: 10.1186/s10020-019-0132-z
- 5 Davis HE, McCorkell L, Vogel JM, Topol EJ. Long COVID: major findings, mechanisms and recommendations. Nat Rev Microbiol. 2023;21(3):133–146. DOI: 10.1038/s41579-022-00846-2
- 6 Netea MG, Joosten LAB, Latz E, et al. Trained immunity: a program of innate immune memory in health and disease. Science. 2016;352(6284):aaf1098. DOI: 10.1126/science.aaf1098
- 7 Parikh AR, Chee BH, Tsai J, et al. Minimal residual disease using a plasma-only circulating tumor DNA assay to predict recurrence of metastatic colorectal cancer following curative intent treatment. Clin Cancer Res. 2024;30(14):2964–2973. DOI: 10.1158/1078-0432.CCR-23-3660
- 8 Kienzl-Wagner K, Waldegger S, Schneeberger S. Disease recurrence – the sword of Damocles in kidney transplantation for primary focal segmental glomerulosclerosis. Front Immunol. 2019;10:1669. DOI: 10.3389/fimmu.2019.01669
- 9 Kitano H. Biological robustness. Nat Rev Genet. 2004;5(11):826–837. DOI: 10.1038/nrg1471
- 10 Huang L, Fu L. Mechanisms of resistance to EGFR tyrosine kinase inhibitors. Acta Pharm Sin B. 2015;5(5):390–401. DOI: 10.1016/j.apsb.2015.07.001
- 11 Hopkins AL. Network pharmacology: the next paradigm in drug discovery. Nat Chem Biol. 2008;4(11):682–690. DOI: 10.1038/nchembio.118
- 12 Kola I, Landis J. Can the pharmaceutical industry reduce attrition rates? Nat Rev Drug Discov. 2004;3(8):711–716. DOI: 10.1038/nrd1470
- 13 McEwen BS. Stress, adaptation, and disease: allostasis and allostatic load. Ann N Y Acad Sci. 1998;840:33–44. DOI: 10.1111/j.1749-6632.1998.tb09546.x
- 14 Sawamoto N, Doi D, Nakanishi E, et al. Phase I/II trial of iPS-cell-derived dopaminergic cells for Parkinson’s disease. Nature. 2025;641:971–977. DOI: 10.1038/s41586-025-08700-0
- 15 Dargaud Y, Yamaguti-Hayakawa GG, Frade-Guanaes JO, et al. Long-term durability of rAAV gene therapy in hemophilia: factor expression, clinical outcomes and underlying molecular mechanisms. Blood Rev. 2025;101353. DOI: 10.1016/j.blre.2025.101353
- 16 Lean MEJ, Leslie WS, Barnes AC, et al. Primary care-led weight management for remission of type 2 diabetes (DiRECT): an open-label, cluster-randomised trial. Lancet. 2018;391(10120):541–551. DOI: 10.1016/S0140-6736(17)33102-1
- 17 World Health Organization. Hepatitis C [fact sheet]. Geneva: WHO; 2024. Available from: who.int
البدايات · albidayat.com · الأخلاق والأفكار

