النرجسية التي تقتلنا

نذكر جميعاً الموقف الهزلي حين وقف لواء في الجيش المصري أمام كاميرات التلفزيون ليعلن أن الهيئة الهندسية للقوات المسلحة توصلت إلى جهاز يكشف فيروس الإيدز والتهاب الكبد الوبائي سي، ويشفي منهما شفاء تاماً. قيل يومها إن ملايين المصابين بفيروس سي سيشفون خلال أشهر، وإن مصر ستصير قبلة يقصدها مرضى العالم. ومثل ذلك المشهد كثير مما تصدر وسائل الإعلام الرسمية والبديلة: مخترعون صغار، نوابغ بألقاب علمية لا يعرفها العالم، مزاعم لاكتشافات تتلاشى سريعاً قبل أن نراها في نشرة علمية أو في منتج ملموس، لهث وراء ألقاب مهنية فارغة المضمون، حفلات تخرج مبالغ فيها، سيل من التهاني على ابن العشيرة الذي رفع رأسها عالياً، قصائد مديح، الكثير، الكثير من الغثاء!

نروي تلك الحكايات في مجالسنا من باب التسلية، غير أنها تخفي وراءها أسئلة ثقيلة: لماذا تحتاج الجماهير إلى معجزة مزيفة؟ وما عواقب الاحتفال الجماعي بإنجاز متوهم في الجماعة التي تحتفل به؟ نجادل هنا بأن هذه المشاهد، التي سنرى نظائرها في الهند وروسيا وألمانيا وغيرها، أعراض لظاهرة نفسية جماعية لها اسم دقيق في أدبيات علم النفس الاجتماعي، ومقاييس، ونتائج تجريبية تكشف جذرها، وبأن ضررها يتجاوز الحرج إلى ما هو أخطر منه بكثير. فحين يشبع الوهم حاجة الجماعة إلى الفخر، تفقد دافعها إلى الإنجاز الحقيقي.

النرجسية الجماعية

نواجه النرجسية في أشخاص من حولنا، وربما في ذواتنا إن تحلينا بشيء من اليقظة والإدراك، لكن هل النرجسية مفهوم محصور في الأفراد؟ في عام 2009 نشرت الباحثة البولندية أنييشكا جوليك دي زافالا وزملاؤها ورقة أسست مفهوم النرجسية الجماعية (collective narcissism). أخذ الفريق البحثي بنود اختبار الشخصية النرجسية الفردية وحول ضميرها من الأنا إلى النحن، فأحال «أصر على أن أنال الاحترام الذي أستحقه» إلى «أصر على أن تنال جماعتي الاحترام الذي تستحقه». النرجسية الجماعية بهذا التعريف اعتقاد راسخ بأن الجماعة، أمة كانت أو طائفة أو حزباً أو حتى فريق كرة قدم، تملك عظمة استثنائية لا يعترف بها الآخرون كما ينبغي، وأنها تستحق لذلك معاملة خاصة.[1] هذا الفخر معلق وجوده بإقرار الخارج، ولهذا يعيش صاحبه في حساسية مفرطة تجاه أي نقد، ويرى الإهانات حيث لا إهانة، ويستجيب للانتقاص المتخيل بعدائية انتقامية.

ويميز الباحثون في هذا الحقل بين شعورين قد يسهل الخلط بينهما. الأول هو الرضا عن الانتماء (in-group satisfaction)، ومعناه أن تحب جماعتك وتفخر بها وتكتفي بذلك، فلا يهزك نقد ولا تحتاج إلى تهليل وتصفيق. والثاني هو النرجسية الجماعية، وهي فخر لا يهدأ إلا إذا أقر به الآخرون، وهي محل اهتمامنا اليوم. وقد وجدت الدراسات أن أصحاب الشعور الأول أكثر تسامحاً مع الجماعات الأخرى وأفضل صحة نفسية، وأن أصحاب الثاني أكثر عداء للخارج وميلاً إلى نظريات المؤامرة، حتى إن حضور النرجسية عند شخص يطمس ما في رضاه الطيب من أثر حسن.[1] الفارق إذن غير كامن في مقدار الحب وعمق الانتماء، فكلاهما يحب جماعته، وإنما في وظيفته النفسية: أحدهما يستمد منه صاحبه طمأنينة، والآخر يرمم به قيمة ذات ناقصة.

من أين يأتي هذا النهم إلى الاعتراف؟ في دراسة نُشرت عام 2020 في مجلة (Journal of Personality and Social Psychology) وتتبعت مئات المشاركين زمناً، وجد الباحثون أن أصحاب تقدير الذات المنخفض هم الأكثر ميلاً إلى النرجسية الجماعية، وأن أصحاب تقدير الذات المرتفع هم الأقرب إلى الرضا الآمن عن الانتماء.[2] أي أن من يفتقد الإحساس بقيمته الشخصية يمضي فيستعير قيمة من عظمة جماعته المتخيلة. وفي دراسات أخرى تلاعب الباحثون تجريبياً بإحساس المشاركين بالسيطرة على حياتهم، فتبين أن إضعاف هذا الإحساس يرفع النرجسية الجماعية من دون الرضا الآمن، وأن تقويته يفعل العكس.[3] هذه النتائج ترجمة تجريبية متأخرة لحدس صاغه الطبيب النمساوي ألفرد أدلر قبل قرن حين جعل الشعور بالنقص والسعي إلى تعويضه محركاً مركزياً للسلوك الإنساني، ولما كتبه مفكرو مدرسة فرانكفورت عن الذوات المجروحة التي تلوذ بجماعة مؤلهة تعوضها ما فقدت.

ثم عادت جوليك دي زافالا لتنشر المزيد عن النرجسية الجماعية، هذه المرة نتائج أربع دراسات ضمت 3856 مشاركاً حول ما سمته نرجسية إنكار العلم. تبين أن النرجسية الوطنية أقوى ما يدل على استعداد المرء لإنكار العلم، أقوى من قلة التعليم ومن المحافظة السياسية، وأن أصحابها أكثر إنكاراً لتغير المناخ ورفضاً للقاحات وثقة بطب بديل لا يخضع لرقابة. أما الراضون عن انتمائهم رضا آمناً فكانوا على العكس أوثق صلة بالعلم ومؤسساته.[4] ووجد فريقها كذلك أن التفكير التآمري ينمو مع الوقت عند أصحاب النرجسية الجماعية نمواً لا تفسره المتغيرات الأخرى.[5]

جولة في متحف العظمة المتخيلة

إذا صح هذا التشخيص فينبغي أن نجد أعراضه حيثما وُجدت جماعات تشعر بأن مكانتها في العالم دون ما تستحق. والواقع أن الأمثلة تتزاحم من كل قارة وفي كل نظام سياسي تقريباً، وتتدرج من الأسطورة الساذجة إلى الاحتيال الصناعي المنظم، لكنها تشترك في بنية واحدة: ماض متخيل أو حاضر مزيف يُقدم للجمهور إنجازاً، وسلطة تتبنى التقديم وتحرسه، وناقد يدفع الثمن.

لنأخذ جولة في التاريخ الحديث. في يناير 2019، على منصة المؤتمر الهندي للعلوم في دورته السادسة بعد المئة، وأمام جمهور فيه تلاميذ مدارس، أعلن رئيس جامعة أندرا ج. ناجيشوارا راو أن ولادة مئة أخ من إخوة الكوراﭬا من أم واحدة في ملحمة المهابهاراتا دليل على أن الهند القديمة عرفت تقنية الخلايا الجذعية وأطفال الأنابيب قبل آلاف السنين، وأن الملك راﭬانا امتلك أربعاً وعشرين طائرة وشبكة مطارات في سريلانكا. وفي الجلسة نفسها اقترح متحدث آخر تخطئة نيوتن وأينشتاين معاً وتسمية موجات الجاذبية «موجات ناريندرا مودي».[6] ولم يكن ذلك شذوذاً فردياً عن خط رسمي؛ فرئيس الوزراء مودي نفسه كان قد قال عام 2014، في افتتاح مستشفى في مومباي، إن رأس الفيل على جسد المعبود جانيشا يثبت أن الجراحة التجميلية كانت ممارسة في الهند القديمة.[7]

وفي موسكو، في ثلاثينيات القرن العشرين صعد المهندس الزراعي تروفيم ليسينكو رافضاً علم الوراثة المندلي جملة وتفصيلاً، منكراً وجود الجينات ذاته، واعداً بمحاصيل تُربى فتُورث ما اكتسبته، وهو وعد يوافق العقيدة الرسمية عن الإنسان الجديد القابل للتشكيل. تبنته السلطة الستالينية فصار مذهبه علماً رسمياً وصار خصومه أعداء دولة. اعتُقل نيكولاي فافيلوف، أشهر باحثي النبات في العالم يومها ومعلم ليسينكو السابق، ومات جوعاً في سجن ساراتوف مطلع 1943، وفُصل أو سُجن أو أُعدم آلاف من علماء الأحياء، وتجمد علم الوراثة السوفييتي جيلاً كاملاً كانت البلاد خلاله تحتفل رسمياً بتفوقها العلمي على الغرب.[8]

ورافقت المأساة ملهاة موازية عُرفت بحملة الأولويات. ففي أواخر الأربعينيات، مع مطلع الحرب الباردة، راحت الدولة تعيد كتابة تاريخ الاختراعات: الراديو اخترعه ألكسندر بوبوف قبل ماركوني، وفلاح من الأورال سبق العالم إلى الدراجة، وموظف لم يثبت وجوده أصلاً حلق في منطاد قبل الأخوين مونغولفييه. بلغ الأمر حداً سخر منه الروس أنفسهم بنكتة عن مقالة تفوز بالجائزة الأولى وعنوانها «روسيا موطن الفيلة»، وهي النكتة التي بقيت إلى اليوم اسماً لهذا الجنس كله من الادعاءات.

لم تسلم من الظاهرة أمة كانت وقتها في قلب الإنتاج العلمي العالمي. ففي ألمانيا الثلاثينيات قاد الفيزيائيان الحائزان جائزة نوبل فيليب لينارد ويوهانس شتارك حملة «الفيزياء الألمانية» التي وصمت نظرية النسبية بأنها فيزياء يهودية غريبة عن الروح الآرية، وكتب لينارد أن العلم نتاج عرقي يمليه الدم، فللآريين في زعمه فيزياؤهم ولليهود فيزياؤهم. أسهمت الحملة في تفريغ الجامعات الألمانية من كبار فيزيائييها، ثم جاءت المفارقة القاتلة، حين اكتُشف الانشطار النووي في برلين عام 1938، كانت الأدوات النظرية اللازمة لفهمه واستثماره هي بالضبط ميكانيكا الكم والنسبية اللتان وصمتهما الحملة، فوجدت ألمانيا نفسها وقد صدرت إلى خصومها العقول التي ستحسم السباق النووي ضدها.[9]

وتبلغ الظاهرة صورتها الكاريكاتورية في الحالات التي لا تكلف الدولة فيها نفسها عناء التمويه. في نوفمبر 2012 أعلنت وكالة الأنباء المركزية الكورية أن آثاريي بيونغ يانغ أعادوا تأكيد اكتشاف عرين وحيد القرن الأسطوري الذي امتطاه الملك المؤسس تونغميونغ، في إعلان قُصد به ترسيخ شرعية الوريث الشاب بربط المكان بسلالة ملكية عريقة. وحين سُئل أستاذ الدراسات الكورية في جامعة تافتس سونغ يون لي عن جدوى إعلان كهذا، أجاب بما يصلح خلاصة لهذا المقال كله: الأمر رمزي، وقيمته في الاحتفاء بالهوية وبمفاهيم الاستثنائية الثقافية والتفوق، إنه يرفع المعنويات.[10]

آليات الخنق

الاحتفال بالإنجاز الزائف عرض للمرض، وهو في الوقت نفسه يغذيه، وفي وسعنا تتبع الطرق التي يفعل بها ذلك واحدة واحدة. أولاها آلية الفخر المستعار. في عام 1976 نشر روبرت سيالديني وزملاؤه دراساتهم الميدانية الشهيرة عن الاستدفاء بالمجد المنعكس (basking in reflected glory): طلاب الجامعات الأمريكية يلبسون قمصان جامعاتهم في اليوم التالي لفوز فريقها بأكثر مما يلبسونها بعد خسارته، ويقولون عن الفوز «فزنا» وعن الخسارة «خسروا»، مع أنهم لم يلمسوا كرة قط. والنتيجة الأدق في الدراسة أن هذا السلوك يشتد عند من أُصيبت صورته الذاتية للتو بفشل شخصي.[11] الفخر المستعار إذن مسكن يشتد الطلب عليه كلما اشتد الجرح، وما يفعله الفرد بقميص جامعته تفعله الأمم بأمجاد لم تصنعها. أعترف أن هذا أمر أقوم به بنفسي، فمن يسمع حديثي عن صفقات نادي برشلونة الإسباني، سيظن أني أقيم في غرفة إدارة النادي!

وهناك آلية ثانية تُعرف في الأدبيات بالاكتمال الرمزي للذات (symbolic self-completion). ما دام الهدف بعيداً يبقى في داخلنا قلق واضطراب يدفعنا إليه، فإذا حصلنا على رمز يوحي بأننا وصلنا، سكن القلق وفتر السعي. في تجارب روبرت ويكلوند وبيتر جولفيتزر، كان يكفي أن يعلن المرء نيته أمام الآخرين وينال اعترافهم حتى يقل عمله الفعلي من أجلها بعد ذلك.[12] وهذا هو جوهر الضرر في احتفالات العظمة المتوهمة: إنها تمنح شعور الوصول من دون إنجاز فعل حقيقي على الأرض.

الآلية الثالثة: معاقبة الناقد. حين ينبري العلماء الجادون لمقاومة هذه الخرافات والأوهام يلقون عقابهم سريعاً كما قرأنا في الأمثلة بالأعلى. الرسالة التي يتلقاها كل باحث في بيئة كهذه واضحة: للنقد كلفة وللمجاملة نجاة، وهي رسالة تصيب العلم في جهازه المناعي، لأن العلم لا يملك وسيلة لتصحيح نفسه غير النقد العلني. وقد وضع عالم الاجتماع روبرت ميرتون يده على هذا الشرط قبل ثمانين عاماً حين جعل الكونية (universalism) أول أعراف العلم: الادعاء العلمي يُحكم عليه بمعايير غير شخصية، فلا وزن فيها لجنسية صاحبه ولا عرقه ولا مكانته.[13] وكل حالة طرقناها في جولتنا بين نرجسية الأمم، من الفيزياء الآرية إلى موجات مودي، انتهاك مباشر لهذا العرف، أي إحلال لمنطق العصبوية محل منطق الدليل.

أما الآلية الرابعة فتتعلق بالكلفة البديلة. فالمال والانتباه والغطاء السياسي المنفق على المعجزة الزائفة يُقتطع كله من رصيد محدود أصلاً، وأوضح شاهد على ذلك تقدمه القصة المصرية نفسها بعد سنوات قليلة من ذلك المشهد. فالعلاج الحقيقي لفيروس سي جاء من الطريق البطيء الذي لا يصلح للمؤتمرات الصحفية. أدوية مضادة للفيروسات صُنعت محلياً بكلفة زهيدة، وحملة قومية أُطلقت عام 2018 باسم 100 مليون صحة فحصت أكثر من 60 مليون مصري وعالجت ما يزيد على 4 ملايين مريض بنسبة شفاء بلغت 99%، حتى هبط انتشار الفيروس من 10% من السكان إلى أقل من 0.4%، وصارت مصر عام 2023 أول دولة في العالم تبلغ المستوى الذهبي على طريق القضاء على المرض بشهادة منظمة الصحة العالمية.[14] لم يكن الدواء اختراعاً مصرياً، لكن الجهود الصحية والتوعوية التي أفضت إلى تلك النتائج تستحق الإشادة والاحتفاء، فهي نتائج حقيقية ملموسة وليست دعاوى هزلية تخدر المجتمعات وتسكن ألم نرجسيتها.

تتضافر هذه الآليات لتقضم ثقة المجتمع بالعلم والمعرفة. فحين تضع أعلى سلطة في البلاد ثقلها خلف ادعاء زائف، لا يسقط الادعاء وحده يوم ينكشف، إذ تسقط معه قدرة الجمهور على التمييز بين العلم وشبيهه، ويتعلم الناس أن الإعلان العلمي قد يكون مسرحية، فيمتد الشك من المعجزة الكاذبة إلى اللقاحات والأدوية المثبتة علمياً والمجربة طبياً، وهذا هو المسار عينه الذي وثقته دراسات النرجسية الوطنية وإنكار العلم. ويتعلم الباحث الجاد في الوقت نفسه أن بيئته تكافئ ما يغذي نرجسيتها وإن كان كذباً وتعاقب ما سوى ذلك، فيهاجر من يستطيع الهجرة، ويصمت من لا يستطيعها، ويخلو المشهد لمن يجيد لغة الوهم ومن يعرف من أين تؤكل لحمة الكتف في مجتمعه.

أزمة الأنا العليا لأمة الإسلام

ليست هذه المرة الأولى التي تقرأ فيها الكلمات التالية، فقد ملأت صفحات التواصل الاجتماعي، لكنها كلمات تفيض حكمة وتعكس واقعاً معاشاً. يقرر ابن خلدون في المقدمة أن «المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده»، ويعلل ذلك بأن النفس تعتقد الكمال في من غلبها فتنقاد إليه. لكن ليس هذا حال كل مغلوب، فهناك من يتفاعل مع واقع الهزيمة بتطرف مضاد فيقلب المعادلة في خياله هو فقط، ويدعي بلا دليل أن الغلبة له على الدوام وأن كل ما عند الغالب مسبوق عنده أو مسروق منه. التقليد الأعمى وأسطورة الأسبقية وجهان لانقياد واحد، فكلاهما يجعل الغالب في المركز الذي تدور حوله أفعاله وردود أفعاله، ويصرف الجماعة عن النظر في أسباب القوة ذاتها. وقد اقترب نيتشه ثم ماكس شيلر من ذلك في تحليلهما للحقد الدفين (ressentiment)، إذ يصفان كيف يعيد العجز الذي لا يجد مخرجاً إلى الفعل تعريف نفسه ترفعاً وتفوقاً متخيلين.

هناك الكثير من العلامات والأسئلة والأدبيات المعاصرة التي تشير إلى أمر واحد: أننا أمام أمة تعيش جرحاً عميقاً في نرجسيتها. كنا مركز العالم، ثم كنا قوة وازنة فيه، ثم صرنا مادة لعبث الآخرين. ولجبر ذلك الجرح نتخبط بين ماض لا يشبهها وحاضر متوهم. نرى استدعاء ابن الهيثم والخوارزمي وبيت الحكمة في كل مناسبة، استدعاء يتعامل مع التراث رصيداً جاهزاً من الفخر يُسحب منه عند الحاجة، ويعفي نفسه من كلفة تحقيقه ودراسته والبناء عليه. يقول المؤرخ جورج صليبا إن الإنتاج العلمي في الحواضر الإسلامية ظل مزدهراً قروناً بعد التاريخ المفترض للانحطاط، وأن نماذج مدرسة مراغة الفلكية وصلت إلى كوبرنيكوس وأسهمت في ثورته، ثم قدم تعريفاً للانحدار أنفع من سرديات البكاء كلها: تنحدر الحضارة حين تتحول من منتجة للأفكار العلمية إلى مستهلكة لها.[15] ولا يعني شيء من هذا أن نطوي صفحة التراث أو نتنكر لأمجاده. الوجه الأصح للعلاقة به ماثل في سيرة صليبا نفسه: عقود من الانحناء على المخطوطات وتحقيقها ومقارنة نماذجها الرياضية بنموذج كوبرنيكوس، خرج منها فهم غير مسبوق لعلم الفلك العربي، من دون أن يحتفل به أحد على المنابر. وإذا مللنا من لعبة استدعاء الماضي المجيد، لجأنا إلى واقع متخيل، مثل أن تحتفل الجماهير بنظام الطيبات الذي جاء به الطبيب العربي المسلم الذي قدم حياته ثمناً لمعركته مع الطب الحديث وشركات الأدوية وأيادي روكفيلر الخفية.

أين الخلاص إذن، وهل هناك ضوء في آخر هذا النفق المظلم والطويل؟ لا طريق سوى الصدق! أن نتسلح بالصبر وأن ننفق الوقت والمال على البحث العلمي. وإن ألجأتنا أزماتنا إلى الماضي، فالاحتفاء الحقيقي بابن الهيثم أن يُبنى على منهجه في التجريب، والاحتفاء ببيت الحكمة أن تقوم مؤسسات تشبهه في وظيفتها قبل أن تحمل اسمه على لافتاتها. وهذا كله عمل بطيء صامت دؤوب لا يصلح مادة لمؤتمر صحفي و«طرقعات» إعلامية. وبذلك نبني رضاً مجتمعياً قائماً على العمل المتراكم وعلى النتائج الحقيقية.

النرجسية التي تقتلنا
References
  1. 1 Golec de Zavala A, Cichocka A, Eidelson R, Jayawickreme N. Collective narcissism and its social consequences. J Pers Soc Psychol. 2009;97(6):1074–1096. DOI: 10.1037/a0016904
  2. 2 Golec de Zavala A, Federico CM, Sedikides C, et al. Low self-esteem predicts out-group derogation via collective narcissism, but this relationship is obscured by in-group satisfaction. J Pers Soc Psychol. 2020;119(3):741–764. DOI: 10.1037/pspp0000260
  3. 3 Cichocka A, Golec de Zavala A, Marchlewska M, et al. Personal control decreases narcissistic but increases non-narcissistic in-group positivity. J Pers. 2018;86(3):465–480. DOI: 10.1111/jopy.12328
  4. 4 Golec de Zavala A. Narcissism of science denial. J Soc Issues. 2025;81(1):e70000. DOI: 10.1111/josi.70000
  5. 5 Golec de Zavala A, Federico CM. Collective narcissism and the growth of conspiracy thinking over the course of the 2016 United States presidential election: a longitudinal analysis. Eur J Soc Psychol. 2018;48(7):1011–1018. DOI: 10.1002/ejsp.2496
  6. 6 Scroll.in. Chauvinistic claims: embarrassed Indian scientists protest irrational comments at Science Congress. January 7, 2019. Available from: scroll.in
  7. 7 The Guardian. Indian prime minister claims genetic science existed in ancient times. October 28, 2014. Available from: theguardian.com
  8. 8 Roll-Hansen N. Stalin’s war on genetic science [review of: Pringle P. The Murder of Nikolai Vavilov]. Nature. 2008;454:577–578. DOI: 10.1038/454577a
  9. 9 Ball P. How 2 pro-Nazi Nobelists attacked Einstein’s “Jewish science” [excerpt from: Serving the Reich]. Scientific American. February 2015. Available from: scientificamerican.com
  10. 10 NBC News. North Korea claims discovery of ‘unicorn lair’. November 30, 2012. Available from: nbcnews.com
  11. 11 Cialdini RB, Borden RJ, Thorne A, Walker MR, Freeman S, Sloan LR. Basking in reflected glory: three (football) field studies. J Pers Soc Psychol. 1976;34(3):366–375. DOI: 10.1037/0022-3514.34.3.366
  12. 12 Wicklund RA, Gollwitzer PM. Symbolic Self-Completion. Hillsdale, NJ: Lawrence Erlbaum Associates; 1982.
  13. 13 Merton RK. The normative structure of science (1942). In: The Sociology of Science: Theoretical and Empirical Investigations. Chicago: University of Chicago Press; 1973.
  14. 14 World Health Organization. WHO commends Egypt for its progress on the path to eliminate hepatitis C. October 9, 2023. Available from: who.int
  15. 15 Saliba G. Islamic Science and the Making of the European Renaissance. Cambridge, MA: MIT Press; 2007. ISBN: 978-0262195577.

البدايات · albidayat.com · الأخلاق والأفكار

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *