في أصل أمراض المناعة الذاتية وسر تفشيها

عرف التاريخ حرساً صُنعوا لحماية الحاكم فصاروا خطره الأكبر. في روما القديمة أنشأ الأباطرة الحرس البريتوري ليكون درعهم الأقرب، فما لبث هذا الدرع أن صار يد القدر في القصر: يصنع الأباطرة ويخلعهم ويغتالهم، حتى بلغ به الأمر سنة 193 للميلاد أن عرض العرش نفسه في مزاد لمن يدفع أكثر. وعلى الطرف الآخر من الزمن أقامت الدولة العثمانية فرقة الإنكشارية، نخبة مدربة تحرس السلطان وتفتح باسمه، فانقلبت مع القرون قوةً تعزل السلاطين وتقتل بعضهم وتملي شروطها، إلى أن اضطر السلطان محمود الثاني إلى القضاء عليها بالحديد والنار . حرسان بينهما ألف وستمئة عام، جمعتهما قصة واحدة: أن القوة التي تُصنع للحماية قد تنقلب على من صُنعت لحمايته حين تفلت من ضابطها.

في جسد كل منا حرس من هذا الطراز، أشد إخلاصاً وأمضى بأساً، قوامه خلايا لا تُحصى تجوب الدم والأنسجة و لا تعرف هوادة مع الغريب. وهذا الحرس يعرف صاحبه بعلامات دقيقة تحملها كل خلية على سطحها، تعمل عمل بطاقة هوية صامتة تقول له: هذا منك فاحمه ولا تهاجمه. فإذا اعتلّت العلامة أو أخطأ الحارس قراءتها، رأى في خلايا الجسد عدواً دخيلاً يستحق الموت، فانقلب سلاحه الذي وُجد للحماية أداة للتخريب. وهذا الانقلاب الصامت، هو جوهر ما نسميه أمراض المناعة الذاتية (autoimmune diseases).

في عيادات الروماتيزم والأعصاب والغدد الصمّاء يتكرّر المشهد المألوف: مريضة في ريعان شبابها تحمل تشخيصاً مناعياً واحداً، ثم تعود بعد سنوات بتشخيص ثان، وربما توالى عليها ثالث يزاحمهما الغلبة. تشرح لها الطبيبة أن جهازها المناعي، الذي وُجد ليحرسها من الغرباء، صار يوجّه سلاحه إلى غددها أو مفاصلها أو غلاف أعصابها، ثم تكتب لها الكورتيزون ومثبطات المناعة التي تُخمد الهجوم دون أن تقتلعه من جذوره. تغادر المريضة بوصفةٍ تُدير المرض، دون وعود باستعادة ما كان. ومن هذه الفجوة بين محدودية ما يقدمه الطب والمعاناة المستمرة مع المرض، تُولد الرحلة الموازية: بحث محموم عن حمية استشفائية أو مكمّل يَعِد بترميم الأمعاء وإعادة ضبط المناعة.

نعيش لحظة يفهم فيها الطب آليّات هذه الأمراض فهماً لم يبلغه من قبل، ويقف مع ذلك عند حدود الإدارة دون الشفاء. لندخل عالم  الأمراض المناعية الغامض ونحاول فهمها، ينبغي أن نفهم مهمة الجهاز المناعي وكيف يعمل. مهمة الجهاز المناعي الأولى أن يفرق بين ما هو من الجسد وما هو دخيل عليه، أي بين خلايا صاحبه التي يجب أن يحميها والميكروبات الغازية التي يجب أن يتخلص منها. هذا التمييز بين «الذات» و«الغريب» هو حجر الأساس، وحين يختل يبدأ الجهاز مهاجمة أعضاء صاحبه كأنها عدوّ دخيل. في هذا المقال سنحاول الإجابة على سؤالين. الأول: هل تتصاعد أمراض المناعة الذاتية فعلاً في العقود الأخيرة، أم أنّنا صرنا أقدر على اكتشافها فحسب. والثاني: لماذا تختل بوصلة الجهاز المناعي فتهاجم خلايا الجسم؟

وقبل المضيّ لا بدّ من تنبيه: تندرج تحت عنوان «المناعة الذاتية» عشرات الأمراض التي تتباين في أعضائها المستهدفة وأعراضها ومساراتها تبايناً كبيراً، ومقصدنا هنا النظريات العامة التي تفسر أصلها المشترك، لا تفاصيل كل مرض على حدة، فتلك الفروق الجوهرية بينها أوسع من أن يحيط بها مقال واحد. وغايتنا من هذا المقال أن نقدم مدخلاً لفهم تعقيد هذه الأمراض: كيف تنشأ من تضافر جين مستعد وبيئة متبدلة ومصادفة، وكيف يفسر هذا التعقيد نفسه تصاعدها وعجز الطب حتى اليوم عن اجتثاثها.

وباء حقيقي أم تشخيص أفضل؟

جانب من الأرقام المتصاعدة صناعة بشرية خالصة. فمعايير تصنيف الأمراض توسّعت عبر العقود حتى صارت تلتقط حالات كانت تمرّ من قبل دون تشخيص، وانتشرت فحوص الأضداد الذاتية (autoantibodies) في المختبرات حتى بلغت شرائح لم تكن تُفحص أصلاً، وتضاعفت أعداد أطبّاء الروماتيزم والأعصاب فاتّسعت شبكة الرصد. يُضاف إلى ذلك أن كثيراً من هذه الأمراض يمر بطور صامت طويل تسبق فيه الأضداد الذاتية ظهور الأعراض بسنوات، فكلما بكّرنا في التشخيص بدا المرض أكثر شيوعاً من غير أن تتغير حقيقته.

لكنّ شواهد أخرى تقاوم هذا التفسير المطمئن. ففي عينة ممثلة للسكان الأمريكيين تتبع باحثون انتشار الأضداد النووية (antinuclear antibodies)، وهي أعمّ علامات المناعة الذاتية، على مدى 25 عاماً، فوجدوه يرتفع من 11.0% في أواخر الثمانينيات إلى 16.1% في مطلع العقد الماضي، أي من نحو 22 مليون مصاب إلى نحو 41.5 مليوناً[1]. والأهم أن هذا الصعود لم تفسره تغيرات الوزن ولا التدخين ولا الكحول، وكان أوضح ما يكون بين المراهقين[1]. ويصعب ردّ هذه الزيادة إلى تحسّن التشخيص وحده، لأن الفحص المستعمل وطريقة إجرائه لم يتغيّرا بين الحقبتين، فالأرجح أن عدد من تتكون لديهم هذه الأضداد قد ازداد فعلاً.

وتأتي أدلة أوثق من دراسة حديثة على التهاب الكبد المناعي الذاتي في شبكة صحية أمريكية كبيرة. أراد الباحثون أن يفصلوا الزيادة الحقيقية عن أثر التشخيص الأدق، فأحصوا المرضى بثلاث طرق متدرجة في صرامتها. أوسعها يعتمد على السجل الإداري للمستشفى وحده، أي الرمز الذي يدونه الأطباء لكل تشخيص في ملفات التأمين والإحصاء، وأضيقها وأشدها صرامة يشترط خزعة من الكبد تؤكّد المرض تأكيداً قاطعاً. وتحت كل طريقة من الثلاث وجدوا الانتشار يتضاعف خلال عقد واحد، فالزيادة صمدت حتى مع أشدّ التعريفات تشدّداً[2]. بل قاست الدراسة حجم المبالغة التي يُحدثها الاعتماد على السجل الإداري وحده، فتبيّن أن نحو 14% من الحالات المسجلة بهذه الطريقة تشخيصها غير دقيق[2]. هكذا اجتمع طرفا اللغز في ورقة واحدة، إذ عُزل أثر التشخيص الأفضل وطُرح، وبقي بعده ارتفاع حقيقي.

والصورة الأقرب إلى الواقع إذن مركبة بين الأمرين. جزء من الصعود سببه أننا صرنا أكثر قدرة على التشخيص الدقيق وفحص شرائح أوسع، وجزء آخر زيادة فعلية في عدد المصابين لا يفسرها تحسّن أدوات التشخيص. وحين ننظر إلى بقية العالم نجد النمط نفسه، إذ استقرت معدلات أمراض الأمعاء الالتهابية (inflammatory bowel disease) في الدول الصناعية الغربية بعد عقود من الصعود، بينما تتسارع اليوم في المجتمعات حديثة التصنيع في آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا مع تبنّيها أنماط الحياة الغربية[3]. وهذا الجزء الحقيقي من الارتفاع هو ما يعجز التفسير الجيني وحده عن تعليله، وهو ما يدفعنا إلى محرك المرض نفسه. فلنبدأ من حيث يبدأ الخلل، من آلية التمييز المناعي حين تنهار.

كيف يتعرف الجسد على نفسه

لم يكن بديهياً للعلم أن التمييز بين الذات والغريب أمر مكتسب. ففي خمسينيات القرن الماضي أثبت الباحث البريطاني بيتر ميداوار (Peter Medawar) وزملاؤه أن الجهاز المناعي يتعلّم في مراحله الأولى أن يتسامح مع أنسجة الجسد، وأن هذا التسامح يُصطنع في التطور المبكر ولا يُورَث جاهزاً، وهو اكتشافٌ فتح باب زراعة الأعضاء ونال به ميداوار جائزة نوبل عام 1960. التحمّل المناعي (immune tolerance)، بهذا المعنى، إنجاز بيولوجي دقيق يُبنى على مراحل، ومتى فهمنا كيف يُبنى أدركنا أين يتصدع.

يبدأ هذا التعلم في الغدة الزعترية (thymus)، وهي غدة صغيرة خلف عظم الصدر تعمل عمل مدرسة تدريبية لجنود المناعة. فالخلايا التائية (T cells)، وهي نوع من كريات الدم البيضاء يقود الهجوم المناعي، وهذه الخلايا تنشأ من خلايا الدم الجذعية في نخاع العظم ثم تهاجر إلى الغدة الزعترية، فـتمر في هذه الغدة وهي فتيّة باختبار قاس، إذ تُعرَض عليها عينات من بروتينات الجسد نفسه. فأيّ خلية تهاجم هذه البروتينات الذاتية بشراسة يُحكَم عليها بالإعدام قبل أن تخرج إلى الدم، حتى لا يتسرب إلى الجسد خلية عمية التمييز قاتلة. والجهاز هنا يصفّي سلالات كاملة لا خلايا منفردة؛ فكل خلية تائية تحمل مستقبلاً فريداً يتعرف على شكل واحد، وحين تُقصى الخلية التي يتعرف مستقبلها على الذات يُقصى معها كل نسلها المحتمل، فيتخلص المخزون المناعي من هذه السلالة الخطرة.[4] ويقود هذا الاختبار منظم جيني يُدعى AIRE، مهمته أن يعرض داخل الغدّة حتى البروتينات النادرة التي لا توجد إلا في أعضاء بعيدة، لتُمتحَن الخلايا عليها جميعاً[4][5]. هذه هي الرقابة المركزية التي تشكل أول خطوط الدفاع عن الذات، وحين يتعطل جين AIRE وحده ينشأ مرض مناعي يضرب عدة غدد معاً يُعرف بمتلازمة الاعتلال المناعي المتعدد الغدد من النوع الأول (APECED)، فيتبيّن أن سلامة الجهاز كله معلّقة بسلامة تلك المدرسة المبكرة[5].

لكن القصة لا تنتهي هنا. تفلت بعض الخلايا الشرسة من هذه الرقابة المبكرة، فتتولى أمرها طبقة ثانية من الحُرّاس بعد خروجها إلى الجسد، قوامها الخلايا التائية التنظيمية (regulatory T cells) التي تعمل عمل الشرطة الداخلية، تكبح رفيقاتها المتمرّدة وتمنعها من مهاجمة الأعضاء[5]. وهذه الخلايا التنظيمية تنشأ هي الأخرى في الغدة الزعترية وفي محيط الجسد، وتؤدي عملها بإفراز إشارات مثبّطة تطفئ حماسة رفيقاتها قبل أن تهاجم الذات. وانهيار أي من هاتين الطبقتين، الرقابة في الغدة أو الشرطة في الجسد، يفتح الباب أمام المناعة الذاتية، غير أن صورة الخلل تختلف من مرض إلى آخر. ففي الوهن العضلي (myasthenia gravis) مثلاً تلعب الغدة الزعترية نفسها دوراً مريباً، إذ يقترن المرض كثيراً بتضخّمها أو بورم فيها، حتى صار استئصالها من خيارات علاجه[4][6]. وهنا تصبح الغدة التي تعلم الجسد كيف يعرف نفسه منبعاً لانقلابه على ذاته.

كيف تُنتقى الخلايا التائية في الغدة الزعترية. يولّد الجسم تشكيلة هائلة من الخلايا التائية، تحمل كل واحدة منها مستقبلاً فريداً يتعرّف على شكل واحد بعينه (أعلى الشكل). تمرّ هذه الخلايا باختبارين متتاليين: في الانتقاء الإيجابي (positive selection) تنجو الخلايا القادرة على قراءة «بطاقات الهوية» الجزيئية للجسم (MHC) ويُقصى العاجز عنها، وفي الانتقاء السلبي (negative selection) تُعدَم الخلايا التي تهاجم بروتينات الجسد نفسه. فلا يخرج إلى الدم إلا ما هو نافع وآمن معاً، ليَنشط لاحقاً ضد المستضدّات الغريبة وحدها عند العدوى. المصدر: مقتبس بتصرّف عن Ashby & Hogquist‏ (2024)‏[4].

لماذا ينهار التمييز؟

أوّل ما يتبادر إلى الذهن هو الجينات، ولها في هذه الأمراض نصيبٌ ثابت. فبعض الناس يولدون باستعدادٍ وراثي يجعل جهازهم المناعي أميل إلى الخطأ في التمييز. ويقع أقوى هذا الاستعداد في مجموعةٍ من الجينات تُعرف اختصاراً بـ HLA (human leukocyte antigen)، وهي الجينات التي تصنع ما يشبه «بطاقات الهويّة» على سطح الخلايا، تلك التي يقرأها الجهاز المناعي ليفرّق بين خلايا الجسد والدخيل. وحين تأتي هذه البطاقات بأنماطٍ معيّنة يزداد احتمال أن يخطئ الجهاز فيقرأ الذات غريباً، ومن هنا ترتبط أنماط بعينها من HLA بارتفاع خطر السكري من النوع الأول  أو التصلب المتعدد أو الذئبة[5]. ومع ذلك، فالجينات تهيّئ للمرض دون أن تجعله أمراً محتماً. فحتى التوأمان المتماثلان، اللذان يتقاسمان جيناتهما كلّها، قد يمرض أحدهما ويبقى الآخر سليماً، إذ لا يتجاوز توافقهما في الإصابة بأغلب هذه الأمراض ما بين 25% و50%[5]. ولو كان القدر مكتوباً في الجينات وحدها لتطابق مصير التوأمين، وفي ذلك دليل قوي على أن هناك أمر ما خارج الجينات يحسم الأمر.

والمقصود بذلك العامل الخارجي هو البيئة، أي كل ما يحيط بالإنسان ويؤثّر فيه من غير جيناته: طعامه، وما يتعرض له من ميكروبات وعدوى، ودرجة نظافة محيطه، وقدر ما يناله من شمس، ونمط حياته عموماً. وهذه البيئة تبدّلت تبدلاً واسعاً في العقود الأخيرة، بينما بقيت جينات البشر على حالها، فجينات جماعة بشرية لا تتغير في نصف قرن. ومع ذلك تضاعفت إصابات السكري من النوع الأول في فنلندا نحو 2.5 مرة بين ستينيات القرن الماضي ومطلع الألفية، وهي قفزة لا يفسرها سوى تغير في هذا المحيط[7]. والأنكى أن الباحثين حين قارنوا مرضى شُخّصوا قبل 50 عاماً بمن شُخّصوا حديثاً وجدوا أن حَمَلة أنماط HLA عالية الخطورة كانوا أكثر في الجيل الأقدم[7][8]. أي إن المرض صار يصيب اليوم أشخاصاً يحملون استعداداً وراثياً أقل مما كان يلزم من قبل، وكأن وطأة البيئة اشتدّت حتى صارت تُمرض من كانت جيناتهم تقيهم. وهذه الملاحظة تقدّم حلاً مقنعاً للُغز الوباء الصاعد، فالمرض ثمرة لقاء بين جين مستعد ثابت وبيئة متبدلة، وكلما اشتدّ الطرف البيئي ارتفع المرض دون أن تتحرك الجينات.

فما الذي تبدّل في هذه البيئة إذن؟ لعل أقدم محاولات التفسير جاءت من ميدان الحساسية. ففي عام 1989 لاحظ الباحث ديفيد ستراكان (David Strachan) أن أطفال العائلات الكبيرة أقل إصابة بحمى القش والإكزيما من أقرانهم في العائلات الصغيرة، فافترض أن العدوى المتبادلة بين الإخوة في الصغر تدرّب المناعة وتقيها من الخلل الوظيفي[9]. صيغت الفكرة أولاً لأمراض الحساسية، ثم وسّعها آخرون في ما عُرف بفرضية «الأصدقاء القدامى»، ومفادها أنّ الميكروبات التي رافقت الإنسان طوال تاريخه كانت تدرّب جهازه المناعي تدريباً صامتاً، وأن اختفاءها من بيئتنا الحديثة شديدة النظافة حرم المناعة جزءاً من هذا التدريب فمالت إلى مهاجمة الذات. تبقى الفرضية محل أخذ وردّ، لكنها كانت أول من وجه الأنظار إلى الميكروبات المحيطة بنا بوصفها عاملاً مؤثّراً.

ومن هذا الباب دخل الميكروبيوم (microbiome)، وهو مجتمع الأحياء الدقيقة الهائل الذي يسكن أمعاءنا، إلى صميم البحث. فمرضى التصلّب المتعدّد والذئبة والتهاب المفاصل والسكري من النوع الأول يحملون خلائط ميكروبية تختلف عن خلائط الأصحاء، والسؤال المعلق: أهذا الاختلاف سبب للمرض أم أثر له؟ من أقوى ما يرجّح أنه سبب تجربة نُقلت فيها ميكروبات أمعاء مرضى التصلّب المتعدّد إلى فئران مهيّأة وراثياً، فارتفع لديها حدوث المرض مقارنةً بفئران تلقت ميكروبات أشخاص أصحاء[10]. لكن الفرق بين ميكروبات المرضى والأصحاء كان صغيراً، ولم يبدُ أن جرثومة واحدة مُمرِضة هي السبب، بل بدا أن المرضى يفتقرون إلى ميكروبات نافعة تساعد عادة على تهدئة المناعة وكبح جماحها[10]. تبقى هذه نتائج في نموذج حيواني، تقوي الترجيح ولا تبلغ مرتبة البرهان القاطع في الإنسان، وهو فرق جوهري يحسن بالقارئ أن يحمله معه إلى الفصل التالي.

وإلى جانب الميكروبات المقيمة في الأمعاء تقف محفّزات بيئية أوضح أثراً، في مقدمتها فيروس إبشتاين بار (Epstein–Barr virus)، وهو فيروس شائع يصيب معظم البشر في حياتهم. ففي متابعةٍ لأكثر من 10 ملايين مجنّد أمريكي رصد الباحثون 955 حالة تصلّب متعدّد، فتبيّن أن الإصابة بالفيروس ترفع خطر المرض نحو 32 ضعفاً، وأنّها تسبقه بسنوات، حتى إنّ حالة واحدة فقط من بين 801 لم يكن الفيروس قد أصابها عند بدء المرض[11]. ثمّ جاءت دراسة مرافقة تكشف كيف قد يحدث ذلك: أحد بروتينات الفيروس يشبه في تركيبه بروتيناً في غلاف الأعصاب، فحين يصنع الجهاز المناعي أسلحته ضد الفيروس تخطئ هذه الأسلحة هدفها وتهاجم غلاف الأعصاب لأنه يشبه العدوّ، وهو ما يسميه الباحثون المحاكاة الجزيئية (molecular mimicry)[12]. وهذه الآلية نفسها تتكرر في أمراض أخرى، ولعل أشهرها الحمى الروماتيزمية، حين تصنع المناعة أضدادها لبكتيريا الحلق العقدية فتهاجم صمامات القلب لتشابهها معها. ولا يقف الأمر عند الفيروسات، فنقص فيتامين D والتدخين وعوامل أخرى تتضافر كلها مع الاستعداد الوراثي، لترسم صورة مرض ينشأ عند التقاء الجين بالبيئة، لا من أحدهما وحده.

جغرافيا المناعة

لو كان المرض قدراً جينياً محضاً لتوزّع على الخريطة توزّعاً عشوائياً، لكنه يرسم أنماطاً جغرافية مثيرة للانتباه. فانتشار التصلّب المتعدد يزداد كلما ابتعدنا عن خط الاستواء نحو القطبين، في تدرج أكدته أوسع مراجعة جمعت نتائج الدراسات السابقة، إذ يرتفع الانتشار ارتفاعاً واضحاً مع كل درجة نبتعدها عن الاستواء[13]. والأدل من ذلك أن هذا التدرج بقي قائماً في أوروبا حتى بعد استبعاد فروق الجينات بين الشعوب، ما يعني أن عاملاً بيئياً يتغير مع خط العرض هو ما يقف خلف الخريطة، وأرجح المرشحين ضوء الشمس وفيتامين D اللذان يقلان كلما اتجهنا شمالاً[13].

في المقابل، يأخذ مرض الذئبة الحمراء نقطة نظام ليذكرنا أن الجغرافيا لا تروي القصة كاملة. فالمرض أشدّ وطأةً بين النساء من أصول أفريقية، إذ ترتفع لديهنّ إصابات الكلى والمضاعفات الخطيرة مقارنة بغيرهن[14]. لكن هذا الفارق يبقى قائماً حتى بعد هجرتهن إلى بلادٍ أخرى، ما يشير إلى جذر وراثي لا تفسره البيئة وحدها. وقد رجح باحثون أن بعض صيغ جين يُدعى APOL1، وهي مرتبطة بمآلٍ أسوأ في إصابة الكلى بالذئبة، بقيت شائعة في هذه الأصول لأنّها كانت تحمي أسلافهم من طفيلي مُمرض منتشر في إفريقيا، فورّثتهم الحماية والعبء معاً[5]. وهنا يصبح المرض المناعي أثر جانبي لتاريخ تطوري طويل، وهو تعقيد إضافي يمنع أي تفسير يختزل الأمر كلّه في البيئة.

تقدّم المنطقة العربية للباحث ما يشبه التجربة الطبيعية على أثر البيئة. فخلال عقود قليلة انتقلت مجتمعات الخليج من نمط عيش إلى آخر انتقالاً سريعاً، بينما بقيت جيناتها على حالها تقريباً، فصار أيّ ارتفاع حاد في أمراضها المناعية دليلاً على أثر البيئة لا على تغيّر الوراثة. ولنأخذ السكري من النوع الأول مثالاً. ففي المنطقة الشرقية من السعودية تضاعفت إصابته بين الأطفال في أقل من عقدين، من 18.05 إلى 36.99 حالة لكل 100 ألف طفل، بزيادة سنوية بلغت نحو 16.8%[15]. وفي الكويت قفزت الإصابة بين من هم دون سن 14 من 20.1 إلى 44.9 حالة لكل 100 ألف خلال عقدين، حتى صارت البلاد ثانية العالم في معدّل الإصابة[16]. لا شيء في الجينات يتحرّك بهذه السرعة، فالأصابع تتجه إلى تبدّل الغذاء وأنماط الرضاعة وارتفاع معايير النظافة ونقص فيتامين D رغم وفرة الشمس[15][16].

والنمط نفسه يتكرّر في أمراض الأمعاء الالتهابية. فبعد أن كانت تُعد  من الأمراض النادرة في المنطقة، ارتفع عبؤها في دول الخليج ارتفاعاً هائلاً منذ عام 1990، بلغ في قطر نحو 967% وفي الإمارات نحو 898%، بينما بقيت الكويت وحدها على منحى مستقر[17]. ومن المثير للانتباه في هذه الأرقام  أن الخطر يختلف باختلاف الجيل الذي وُلد فيه المرء، فمن وُلدوا في السبعينيات أعلى خطراً بنسبة تتراوح بين 18% و48% ممّن وُلدوا في الخمسينيات داخل المجتمع نفسه[17]. وحين يختلف الخطر بين جيلين يتقاسمان المخزون الجيني نفسه، لا يبقى إلّا البيئة تفسيراً. وقد رصد باحثون أن هذه الأمراض تمر في كل منطقة بأطوار متتابعة، تبدأ نادرة ثم تتسارع إصاباتها ثم تتراكم أعداد المصابين بها، وأن المنطقة العربية تعيش اليوم طور التسارع[18].

على أن للمنطقة خصوصية وراثية تستحق الذكر إلى جانب بيئتها المتبدلة، هي ارتفاع زواج الأقارب الذي يبلغ في بعض هذه المجتمعات ما بين الرُّبع والثُّلثين. فزواج الأقارب يزيد فرصة أن يرث الطفل النسخة نفسها من الجين من أبويه معاً، ومنها أنماط HLA المرتبطة بالاستعداد للمرض، فيجتمع في المنطقة استعداد وراثي خاص وبيئة سريعة التبدل. وهذا الاجتماع يجعل المنطقة العربية ميداناً ثميناً لدراسة كيف يلتقي الجين بالبيئة، بيد أنّ الفرصة تظل مهدورة ما دامت السجلات الصحية الوطنية والدراسات المنظّمة شحيحة في معظم بلدانها، وهو نقص يحد من كل ما نستطيع أن نتعلّمه.

خط فاصل بين العلم والتسويق

عُدنا الآن إلى المريضة التي بدأنا بها، الباحثة عن حل خارج العيادة. فالفراغ العلاجي أرض خصبة تنبت فيها الوعود، منها علم رصين مثبت، ومنها علم لا يزال تحت التجريب، ومنها تسويق محض، ومهمة القارئ أن يميز بين ذلك كله. وأوضح حالة يستند إليها أنصار الغذاء هي الداء البطني (celiac disease)، وهو مرض مناعي يُدار فعلاً بالغذاء وحده، إذ يكفي حذف الغلوتين، وهو بروتين في القمح، لإيقاف الهجوم المناعي الذي يثيره في الأمعاء. هذه الحقيقة الراسخة تمنح البدائل الغذائية موطئ قدم تنطلق منه نحو تعميم لا تسنده الأدلة.

فحين ننتقل من الداء البطني إلى غيره تضعف الأدلة. خلصت مراجعة للدراسات السريرية إلى أن الحمية الخالية من الغلوتين لا تسندها تجاربُ رصينة كافية عند غير المصابين بالداء البطني، سواء في التصلّب المتعدّد أو السكري من النوع الأول أو أمراض الغدة الدرقية المناعية، وأن التجربة الوحيدة في التصلّب المتعدّد شابتها عيوب منهجية، إذ ضمت عدداً قليلاً من المرضى ولم توازنهم بمجموعة ضابطة تتّبع نظاماً عادياً للمقارنة[19]. وخلاصة المراجعة صريحة، فالأدلّة الراهنة لا تكفي للتوصية بهذه الحمية لغير المصابين بالداء البطني[19].

وثمّة وعود أحدث تتلبس لغة المختبر، مثل الحمية المحاكية للصيام. أظهرت هذه الحمية في الفئران نتائج لافتة، إذ خفّفت شدة الالتهاب في نموذج تجريبي للتصلب المتعدد، بل أزالت الأعراض تماماً في نحو 20% من الحيوانات، وحفزت تجدد الغلاف العازل حول الأعصاب[20]. لكن ما يُغفَل في التسويق أن التجارب على البشر لا تزال قليلة وأولية، ولم تبلغ بعدُ مرتبة العلاج المثبت[20]. والرسالة التي يستحقّها المريض تقوم على ميزان دقيق، فلا نسخر من قلقه ولا نصادق على وعود لا دليل عليها.

ماذا ينتظرنا؟

يبقى السؤال الذي فتح المقالة: لماذا يقف الطب عند الإدارة؟ الإجابة لا علاقة لها بحرمان المريض العربي من الدواء، فالعلاجات البيولوجية (biologics) الحديثة متاحة في المنطقة وتتسع إتاحتها عاماً بعد عام، من مثبطات الخلايا البائية إلى حاصرات الإنترفيرون. المشكلة في طبيعة المرض والدواء معاً، فهذه العلاجات تُهدئ النشاط المناعي وتقلل الانتكاسات وتؤخر تلف الأعضاء، ويظل المريض مع ذلك مريضاً، وكثيرون لا يبلغون هجوعاً كاملاً، وبعضهم لا يستجيب، وآخرون يدفعون ثمن الاستجابة عدوىً وأعراضاً جانبية.

واللافت أن أحدث ما وصل إليه العلاج يعيدنا إلى قلب التفسير، إذ صار الدواء يستهدف الخلل في موضعه بدقة. ففي الذئبة يسهم جزيء مناعي يُسمّى الإنترفيرون من النوع الأول (type I interferon)، وهو في الأصل إشارة إنذار يطلقها الجسم عند العدوى، في إشعال المرض وإذكائه[5]، فجاء دواء يسد المستقبل الذي يلتقط هذه الإشارة فيطفئ الإنذار الكاذب*. وفي الوهن العضلي تهاجم الأضدادُ نقطة اتصال العصب بالعضلة، فتستدعي سلسلة من البروتينات تُعرف بالمتممة (complement) تنتهي ببروتين يثقب موضع الاتصال ويهدمه، فجاء دواء يوقف هذه السلسلة عند خطوة محددة، وأثبت في تجربة ممتدة أنه يخفف حاجة المرضى إلى الكورتيزون حتى أغنى بعضهم عنه تماماً[21]. وكلما ازددنا فهماً لكيفية وقوع الخطأ، ازداد علاجنا قدرة على تصويبه في مكانه.

وإن كان أقصى ما يبلغه الطب اليوم أن يُخمد الهجوم، فالسؤال الأعمق هل يستطيع غداً أن يعيد بناء التحمل من جديد بدل قمعه؟ هذا هو الأفق الذي تفتحه العلاجات الخلوية الناشئة حين تسعى إلى إعادة ضبط الجهاز المناعي من داخله، كما انتقلت خلايا CAR-T التي طوّرتها جامعة بنسلفانيا من ميدان السرطان إلى ميدان المناعة الذاتية. والمقصود بها خلايا تائية من المريض نفسه تُهندَس ــ كما في سرطانات الدم ــ لتطارد الخلايا البائية المنتجة للأضداد الذاتية وتمحوها محواً عميقاً، فيُعاد بذلك ضبط الجهاز المناعي[22]؛ وهي غير الخلايا التنظيمية التي قد تتبادر إلى الذهن، وإن كانت هندسة تلك الخلايا التنظيمية نفسها لعلاج المناعة الذاتية ميداناً بحثياً نشطاً موازياً. ما يسترعي الانتباه ويبعث الأمل أن بوصلة شركات التقنية الحيوية تتحول اليوم نحو أمراض المناعة الذاتية، وتتسرب إليها من أبحاث السرطان أموال وخبرات وأدوات، في إشارة إلى أنها ميدان العقد القادم الذي يُنتظر أن يزهر ويثمر.

ويبرز السكري من النوع الأول مثالاً حياً: فقد زرعت شركة فيرتيكس (Vertex) خلايا جزيرية (islet cells) مشتقة من خلايا جذعية في مرضى، فاستعاد عشرة من كل اثني عشر منهم إنتاج الإنسولين واستغنوا عن حقنه بعد عام كامل، وإن ظلوا بحاجة إلى كبت المناعة كي لا ترفض أجسامهم الخلايا الغريبة[23]. وذهبت شركات أخرى خطوة أقرب إلى جوهر المشكلة، إذ تهندس خلايا جزيرية «خفية» تراوغ الجهاز المناعي لتُزرع دون كبت للمناعة. فقد أثبتت شركة سانا (Sana) بقاء هذه الخلايا حية تفرز الإنسولين في أول تجربة بشرية، متجاوزةً العقبة التي طالما أفشلت الزراعة التقليدية وهي هجوم المناعة الذاتية نفسه[24]، بينما لا تزال نظائرها -وأكثرها طموحا وشمولية – عند شركة مثل سينشري (Century Therapeutics) في طور ما قبل السريري[25].

ولا يقف الطموح عند إعادة ضبط المناعة وحدها، فثمة فرع آخر يسعى إلى إصلاح ما خلفه المرض من تلف. ففي التصلب المتعدد تُبذل جهود لتحفيز خلايا الدماغ التي تصنع الغلاف العازل للأعصاب على ترميم ما تهتّك منه، بدفع الخلايا السليفة إلى النضج وإعادة بناء الغلاف، وقد قاست تجارب حديثة ترميماً فعلياً للغلاف، وإن بقي أثره متواضعاً لم يترجم بعد إلى تحسن واضح في الحركة أو البصر[26]. وثمة كذلك مساعٍ لإنتاج الخلايا قليلة التغصن (oligodendrocytes) وطلائعها (OPCs) من الخلايا الجذعية بهدف زرعها لتعويض ما فقده الدماغ من صانعات الميالين.

وهكذا يتحول التعقيد الذي بدأنا به من عائق إلى خارطة طريق، فكلما فهمنا كيف تلتقي الجينات بالبيئة، اقتربنا من علاج يعيد ضبط المناعة ويصلح ما أتلفت. بهذا الفهم تتبدل اليوم فلسفة الدواء، فلوقت طويل كان جوابنا على تمرد المناعة أن نكبت صوتها بالكورتيزون وأخواته، فنكسب هدوءاً مؤقتاً. وما يلوح في الأفق مقاربة أخرى: أن نعيد إلى الجهاز المناعي تمييزه ونصالحه مع الذات التي انقلب عليها ونرمم ما أتلف. وكل ذلك لا يتأتى إلا بطرائق العلم التجريبي الحديث الذي يفكك آليات المرض المعقدة ويصمم الدواء وفق ذلك. لا يزال الأفق بعيداً تفصلنا عنه سنون من التجربة حتى نعيد ضبط البوصلة المختلة، وعليه فلا وقت لدينا نضيعه وراء أوهام الحلول السهلة.

* الدواء المقصود في الذئبة هو أنيفرولوماب (Anifrolumab)، الموجّه إلى مستقبل الإنترفيرون من النوع الأول. وقد أثبتت تجربة TULIP-2 فاعليته في خفض نشاط المرض وجرعة الكورتيزون[27].

المراجع

[1] Dinse GE, Parks CG, Weinberg CR, Co CA, Wilkerson J, Zeldin DC, et al. Increasing prevalence of antinuclear antibodies in the United States. Arthritis Rheumatol. 2022;74(12):2032–2041. https://doi.org/10.1002/art.42330

[2] Yao J, Jiang SF, Kapoor C, Balasubramanian S, Ramalingam ND, Saxena V, et al. The prevalence of autoimmune hepatitis is rising: estimates and trends from a large, multi-ethnic cohort in the United States. Hepatol Commun. 2025;9:e0824. https://doi.org/10.1097/HC9.0000000000000824

[3] Ng SC, Shi HY, Hamidi N, Underwood FE, Tang W, Benchimol EI, et al. Worldwide incidence and prevalence of inflammatory bowel disease in the 21st century: a systematic review of population-based studies. Lancet. 2018;390(10114):2769–2778. https://doi.org/10.1016/S0140-6736(17)32448-0

[4] Ashby KM, Hogquist KA. A guide to thymic selection of T cells. Nat Rev Immunol. 2024;24(2):103–117. https://doi.org/10.1038/s41577-023-00911-8

[5] Pisetsky DS. Pathogenesis of autoimmune disease. Nat Rev Nephrol. 2023;19(8):509–524. https://doi.org/10.1038/s41581-023-00720-1

[6] Gilhus NE, Tzartos S, Evoli A, Palace J, Burns TM, Verschuuren JJGM. Myasthenia gravis. Nat Rev Dis Primers. 2019;5(1):30. https://doi.org/10.1038/s41572-019-0079-y

[7] Hermann R, Knip M, Veijola R, Simell O, Laine AP, Akerblom HK, et al. Temporal changes in the frequencies of HLA genotypes in patients with type 1 diabetes—indication of an increased environmental pressure?. Diabetologia. 2003;46(3):420–425. https://doi.org/10.1007/s00125-003-1045-4

[8] Gillespie KM, Bain SC, Barnett AH, Bingley PJ, Christie MR, Gill GV, et al. The rising incidence of childhood type 1 diabetes and reduced contribution of high-risk HLA haplotypes. Lancet. 2004;364(9446):1699–1700. https://doi.org/10.1016/S0140-6736(04)17357-1

[9] Strachan DP. Hay fever, hygiene, and household size. BMJ. 1989;299(6710):1259–1260. https://doi.org/10.1136/bmj.299.6710.1259

[10] Berer K, Gerdes LA, Cekanaviciute E, Jia X, Xiao L, Xia Z, et al. Gut microbiota from multiple sclerosis patients enables spontaneous autoimmune encephalomyelitis in mice. Proc Natl Acad Sci U S A. 2017;114(40):10719–10724. https://doi.org/10.1073/pnas.1711233114

[11] Bjornevik K, Cortese M, Healy BC, Kuhle J, Mina MJ, Leng Y, et al. Longitudinal analysis reveals high prevalence of Epstein-Barr virus associated with multiple sclerosis. Science. 2022;375(6578):296–301. https://doi.org/10.1126/science.abj8222

[12] Lanz TV, Brewer RC, Ho PP, Moon JS, Jude KM, Fernandez D, et al. Clonally expanded B cells in multiple sclerosis bind EBV EBNA1 and GlialCAM. Nature. 2022;603(7900):321–327. https://doi.org/10.1038/s41586-022-04432-7

[13] Simpson S Jr, Blizzard L, Otahal P, Van der Mei I, Taylor B. Latitude is significantly associated with the prevalence of multiple sclerosis: a meta-analysis. J Neurol Neurosurg Psychiatry. 2011;82(10):1132–1141. https://doi.org/10.1136/jnnp.2011.240432

[14] Maningding E, Dall'Era M, Trupin L, Murphy LB, Yazdany J. Racial and ethnic differences in the prevalence and time to onset of manifestations of systemic lupus erythematosus: the California Lupus Surveillance Project. Arthritis Care Res (Hoboken). 2020;72(5):622–629. https://doi.org/10.1002/acr.23887

[15] Robert AA, Al-Dawish A, Mujammami M, Al Dawish MA. Type 1 diabetes mellitus in Saudi Arabia: a soaring epidemic. Int J Pediatr. 2018;2018:9408370. https://doi.org/10.1155/2018/9408370

[16] Jahromi M, Al-Ozairi E. Human leukocyte antigen (HLA) and islet autoantibodies are tools to characterize type 1 diabetes in Arab countries: emphasis on Kuwait. Dis Markers. 2019;2019:9786078. https://doi.org/10.1155/2019/9786078

[17] Alsaif AK, Alnajjar JS, Al-Harbi FA, Alsirhani AA, Alruqaie SS, Alturki AT, et al. The burden of inflammatory bowel disease in Gulf Cooperation Council countries from 1990 to 2021 with forecasting projections to 2030: a global burden of disease study. Healthcare (Basel). 2025;13(23):3104. https://doi.org/10.3390/healthcare13233104

[18] Kaplan GG, Windsor JW. The four epidemiological stages in the global evolution of inflammatory bowel disease. Nat Rev Gastroenterol Hepatol. 2021;18(1):56–66. https://doi.org/10.1038/s41575-020-00360-x

[19] Passali M, Josefsen K, Frederiksen JL, Antvorskov JC. Current evidence on the efficacy of gluten-free diets in multiple sclerosis, psoriasis, type 1 diabetes and autoimmune thyroid diseases. Nutrients. 2020;12(8):2316. https://doi.org/10.3390/nu12082316

[20] Choi IY, Piccio L, Childress P, Bollman B, Ghosh A, Brandhorst S, et al. A diet mimicking fasting promotes regeneration and reduces autoimmunity and multiple sclerosis symptoms. Cell Rep. 2016;15(10):2136–2146. https://doi.org/10.1016/j.celrep.2016.05.009

[21] Vu T, Mantegazza R, Annane D, Katsuno M, Meisel A, Nicolle MW, et al. Long-term efficacy and safety of ravulizumab in adults with anti-acetylcholine receptor antibody-positive generalized myasthenia gravis: final results from the phase 3 CHAMPION MG open-label extension. Eur J Neurol. 2025;32(5):e70158. https://doi.org/10.1111/ene.70158

[22] Müller F, Taubmann J, Bucci L, et al. CD19 CAR T-cell therapy in autoimmune disease—a case series with follow-up. N Engl J Med. 2024;390(8):687–700. https://doi.org/10.1056/NEJMoa2308917

[23] Reichman TW, Markmann JF, Odorico J, Witkowski P, Fung JJ, Wijkstrom M, et al.; VX-880-101 FORWARD Study Group. Stem Cell-Derived, Fully Differentiated Islets for Type 1 Diabetes. N Engl J Med. 2025;393(9):858–868. https://doi.org/10.1056/NEJMoa2506549

[24] Carlsson PO, Hu X, Scholz H, Ingvast S, Lundgren T, Scholz T, et al. Survival of Transplanted Allogeneic Beta Cells with No Immunosuppression. N Engl J Med. 2025;393(9):887–894. https://doi.org/10.1056/NEJMoa2503822

[25] Century Therapeutics. Century Therapeutics announces new beta islet program for type 1 diabetes (CNTY-813): iPSC-derived immune-evasive islets, preclinical data [press release]. 2025 Nov 13. https://investors.centurytx.com/news-releases/news-release-details/century-therapeutics-announces-new-beta-islet-program-type-1/

[26] CCMR-Two trial: metformin plus clemastine for remyelination in relapsing-remitting multiple sclerosis; ClinicalTrials.gov NCT05131828; results presented at ECTRIMS 2025.

[27] Morand EF, Furie R, Tanaka Y, Bruce IN, Askanase AD, Richez C, et al. Trial of anifrolumab in active systemic lupus erythematosus. N Engl J Med. 2020;382(3):211–221. https://doi.org/10.1056/NEJMoa1912196

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *