الترانسهيومانيزم

فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى

في البداية، كان الخوف.لم يكن خوفاً من حيوان مفترس أو عاصفة عاتية، بل خوفاً من فكرة. فكرةٌ واحدة لازمت الإنسان منذ أن نظر إلى جسدٍ هامدٍ لرفيقٍ كان بالأمس يمشي ويتحدث ويضحك، ثم صار شيئاً آخر. شيئاً صامتاً لا يُجيب. لقد كانت فكرة الفناء. شغل هذا الهاجس البشر قبل أن تُبنى المدن أو تُدوَّن الحروف. ملحمة جلجامش، أقدم نصٍّ أدبي وصلنا من بلاد الرافدين قبل أربعة آلاف عام، لم تكن في جوهرها إلا رحلة ملكٍ أنهكه الحزن على صديقه أنكيدو، فراح يطوف الأرض باحثاً عن عشبة الخلود. وجدها، ثم سرقتها منه أفعى وهو نائم. عاد خالي الوفاض، ولم يبقَ له إلا أسوار مدينته يتأملها ويقول لنفسه: هذا ما يبقى بعدي. أما أنا، فلا.

والفراعنة حنّطوا أجسادهم وملأوا قبورهم بالذهب والطعام والخدم المنحوتين، كأنّ الموت رحلة تحتاج إلى حقائب. وأفلاطون كتب في «فايدون» أنّ الفلسفة بأسرها ليست إلا تدرّباً على الموت. أما شكسبير فوضع على لسان هاملت السؤال الذي لا يزال يتردد في كل عقلٍ واعٍ: «أنْ تكونَ أو لا تكون»، ثم جعل ما يمنع الإنسان من الإقدام على العدم هو الخوف مما بعده، تلك «البلاد المجهولة التي لم يعد منها مسافرٌ قط». وتولستوي في «موت إيفان إيليتش» رسم لوحة مرعبة لرجلٍ يكتشف وهو يحتضر أنه لم يعش حقاً. وكافكا لم يكتب عن الموت صراحةً، لكن كل ما كتبه كان رائحة الموت: تحوّل الإنسان إلى حشرة، محاكماته التي لا تنتهي، قلاعه التي لا يدخلها أحد.

لكن ثمة فرقٌ جوهري بين من يخشى الموت وبين من يخشاه دون أفق.

المؤمن، أياً كانت ملّته، يقف أمام الموت وفي جعبته قصة: هناك ما بعد. بعثٌ ونشور، حسابٌ وجزاء، دارٌ أخرى. الموت عنده بابٌ لا جدار. قد يخشى ما وراء الباب، لكنه لا يخشى العدم المطلق. القرآن يصف الموت بأنه «مصيبة» تصيب كل نفس، لكنه لا يصفه بالنهاية. المسيحية تعد بالقيامة. البوذية تتحدث عن دورات التناسخ. حتى الديانات القديمة كالزرادشتية وضعت للروح مساراً بعد الجسد.

أما من لا يؤمن بشيءٍ من هذا، من قادته فلسفته أو علمه أو تجربته إلى أنّ الوعي مجرد نشاط كهروكيميائي في دماغٍ من لحم، وأنّ الموت إطفاءٌ نهائي لهذا النشاط، لا رجعة منه ولا استئناف، فإنه يقف أمام حقيقة يصعب على العقل البشري استيعابها: سأموت. سيتحلل جسدي إلى ذرات تراب. وعيي سيتلاشى. لا جنة ولا نار ولا لقاء. فراغٌ مطلق. لا شيء. وودي آلن صاغ هذا الرعب في فيلم Whatever Workحين جعل بطله بوريس يلنيكوف-يؤدي دوره الكوميديان لاري ديفيد- الفيزيائي العبقري الذي لا يؤمن بشيء وراء المادة، يصحو من نومه بصرخات خنق ونوبات هلع متكررة، يقول لزوجته وهو يرتجف: «أنا أموت. أنا أموت.» وحين تفتح له التلفاز ليهدأ يهمس: «لقد رأيتُ الهاوية للتو.» ليست هاويةً محددة ولا كابوساً له حبكة، بل العدم ذاته: ذلك الفراغ الذي لا ملامح له ولا قاع.

هذا الفراغ هو ما سمّاه الفيلسوف الوجودي مارتن هايدغر «القلق» (Angst)، وهو يختلف عن الخوف العادي لأنه لا يتوجه نحو شيء بعينه بل نحو «العدم» ذاته. وسارتر أضاف طبقة أخرى حين كتب أن «الإنسان محكومٌ عليه بالحرية»، حرية بلا ضامن ميتافيزيقي، بلا شبكة أمان كونية. والفيلسوف الروماني إميل سيوران، الذي عاش حياته كلها في ظل هذا الرعب، كتب: «لا ينبغي لأحدٍ أن يقول إنه يعرف الموت ما لم يمر بتجربة هذا الفراغ الذي لا يُحتمل».

من هذا الفراغ بالذات، من رحم هذا الرعب الوجودي غير المسبوق في تاريخ الفكر البشري، وُلدت فكرةٌ قائلة: ماذا لو لم نقبل؟ ماذا لو لم يكن الموت قدراً محتوماً بل مشكلة هندسية قابلة للحل؟ ماذا لو استطاع العلم فعل ما عجزت عنه الآلهة القديمة والأنبياء: أن يمنح الإنسان خلوداً حقيقياً، لا في عالم آخر، بل هنا، في هذا الجسد، وعلى هذه الأرض؟

هذه الفكرة لها اسم: الترانسهيومانيزم (Transhumanism).

مبلغ علمي أن لا تعريب مستقر لهذا المصطلح حتى اليوم. تتنافس ترجمات عدة في الاستعمال العربي: «تجاوز الإنسانية»، و«ما وراء الإنسانية»، و«ما بعد الإنسانية» (وهي الأكثر شيوعاً لكنها تختلط بمصطلح Posthumanism المختلف)، و«الإنسانية المعززة، وغيرها. وعلى ذلك، آثرت استخدام اللفظة الإنجليزية المعرّبة «الترانسهيومانيزم» مع الأصل الإنجليزي (Transhumanism) عند أول ذكر، تفادياً لإثقال القارئ بجدل مصطلحي يصرفه عن الموضوع.

وهذا المقال يتتبع رحلة هذه الفكرة، مستنداً أحياناً على معرفة حقيقية وممارسات علمية، وأحياناً أخرى على خيالات وعلوم زائفة، من فكرة فلسفية إلى أيديولوجيا يتبناها المليارديرات، ومن أروقة الجامعات إلى جزر جيفري إبستين الخاصة.

أولاً: الجذور الفلسفية، أو كيف حلم العقل البشري بتجاوز ذاته

فكرة أنّ الإنسان يستطيع تجاوز حدوده البيولوجية ليست وليدة القرن العشرين. جذورها تمتد إلى فجر عصر التنوير الأوروبي.

فرانسيس بيكون والمعرفة بوصفها قوة

في عام 1620، نشر الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون (Francis Bacon) كتابه «الأورغانون الجديد» (Novum Organum) داعياً إلى «إنجاز كل الأشياء الممكنة» عبر المنهج التجريبي. وفي روايته الطوباوية «أطلنطس الجديدة» (New Atlantis)، تخيّل مجتمعاً يُطيل أعمار البشر ويتحكم في الطبيعة من خلال مؤسسات علمية. الفيلسوف ماكس مور، أحد مؤسسي الترانسهيومانيزم المعاصر، اعتبر بيكون مؤسساً لدرجة أنه اقترح تقويماً جديداً للحركة يبدأ من عام 1620.

كوندورسيه وحلم التقدم اللانهائي

ذهب المركيز دو كوندورسيه (Condorcet، المتوفى 1794) أبعد من ذلك في كتابه «رسم تاريخي لتقدم العقل البشري» (1795)، حين تكهّن بأن الطب قد يُطيل عمر الإنسان إلى ما لا نهاية، وبأن التقدم البشري مسار تصاعدي لا سقف له. يعتبره نيك بوستروم، أبرز فلاسفة الترانسهيومانيزم المعاصرين، أحد أكثر المفكرين تأثيراً في تشكيل الأساس الفكري للحركة(1).

مفترق نيتشه: الإنسان الأعلى

لا يمكن الحديث عن تجاوز الإنسان لذاته دون التوقف عند فريدريش نيتشه. في «هكذا تكلم زرادشت» (1883)، أعلن: «أُعلّمكم الإنسان الأعلى (Übermensch). الإنسان شيءٌ ينبغي تجاوزه». لكن العلاقة بين نيتشه والترانسهيومانيزم معقدة ومتنازع عليها. بوستروم نفسه يوضح أن ما قصده نيتشه لم يكن تحولاً تقنياً بل «نوعاً من النمو الشخصي السامي والرقي الثقافي في أفراد استثنائيين».

ثمة أيضاً الكوزميّة الروسية، وعلى رأسها نيكولاي فيودوروف (المتوفى 1903)، الفيلسوف الأرثوذكسي الذي دعا إلى استخدام العلم لتحقيق الخلود الجسدي وبعث الموتى، ويعتبره بعض الباحثين أول مفكر ترانسهيوماني في التاريخ.

هكسلي: الاسم يُولد

في عام 1957، صاغ عالم الأحياء البريطاني جوليان هكسلي (Julian Huxley) المصطلح رسمياً في مقاله الافتتاحي لكتاب «زجاجات جديدة لنبيذ جديد» (New Bottles for New Wine). كتب هكسلي:

«يستطيع الجنس البشري، إن أراد، أن يتجاوز ذاته. لا بشكل متفرق، فردٌ هنا بطريقة وفردٌ هناك بأخرى، بل بكلّيته، بوصفه بشرية. نحتاج اسماً لهذا الإيمان الجديد. ربما يصلح: الترانسهيومانيزم»

لكن من هو هكسلي؟ حفيد توماس هنري هكسلي الملقّب «كلب داروين المقاتل»، وشقيق ألدوس هكسلي مؤلف رواية «عالم جديد شجاع» (Brave New World) التي حذّرت مفارقةً من المستقبل ذاته الذي كان شقيقه يبشّر به. شغل جوليان منصب أول مدير عام لمنظمة اليونسكو (1946 إلى 1948)، وكتب وثيقة فلسفتها داعياً إلى «إنسانية علمية» موحِّدة.

غير أن في سيرة هكسلي ما يُقلق. كان عضواً في جمعية تحسين النسل البريطانية (British Eugenics Society) منذ 1925، ونائباً لرئيسها (1937 إلى 1944)، ثم رئيساً لها بين 1959 و1962. خلص الباحث بول ويندلينغ إلى أن «تحسين النسل ظل في صميم إنسانية هكسلي». صحيح أنه لم يكن عنصرياً بالمعنى النازي، بل شارك في تأليف كتاب «نحن الأوروبيون» (1935) الذي تحدّى التصنيف العرقي وانتقد النازية، لكن إيمانه بأن «الأصلح» يجب أن يتكاثر أكثر ظل ثابتاً.

والأهم: ترانسهيومانيزم هكسلي كان مختلفاً جذرياً عن النسخة المعاصرة. رؤيته ركزت على تحسين النوع البشري ككل عبر التعليم وعلم النفس والسياسات الاجتماعية، لا على تعزيز الأفراد تقنياً. كان مشروعاً جماعياً تقوده الدولة، لا حلماً ليبرتارياً فردياً.

FM-2030: الإيراني الذي جعل الترانسهيومانيزم هوية شخصية

وُلد فريدون إسفندياري (Fereidoun M. Esfandiary) عام 1930 في بروكسل لأب دبلوماسي إيراني. مثّل إيران في أولمبياد 1948، والتحق بجامعة كاليفورنيا، وعمل في لجنة الأمم المتحدة للتوفيق بشأن فلسطين. لكنه في منتصف السبعينيات اتخذ قراراً غريباً: غيّر اسمه إلى FM-2030، الرقم يشير إلى عام 2030 حين يبلغ المئة، وهو العام الذي تخيّل أن التكنولوجيا ستكون قد أحدثت تحولاً جذرياً في الوجود البشري.

في كتابه «هل أنت ترانسهيومان؟» (Are You a Transhuman?, 1989)، نقل الفكرة من مستوى النوع إلى مستوى الفرد. لم يعد الترانسهيومانيزم مشروعاً اجتماعياً فحسب، بل صار سؤالاً شخصياً: هل أنت مستعدٌ لما بعد الإنسان؟ توفي FM-2030 بسرطان البنكرياس في 8 يوليو 2000، قبل ثلاثين عاماً من موعده مع المئة. وصف البنكرياس قبيل وفاته بأنه «عضوٌ غبي بائس». جُمِّد جسده في مؤسسة ألكور لإطالة العمر (Alcor Life Extension Foundation) في أريزونا.

ماكس مور ومعهد الإكستروبي: التنظيم المؤسسي

في عام 1988، أسس الفيلسوف البريطاني ماكس مور (Max More، واسمه الأصلي Max O’Connor) مع توم بيل مجلة Extropy: Journal of Transhumanist Thought. صاغ مصطلح «الإكستروبي» (Extropy) نقيضاً مفاهيمياً للإنتروبيا، ليعني «مدى ذكاء النظام الحي ونظامه الوظيفي وحيويته ودافعه للتطور». في عام 1990، نشر مقاله التأسيسي «الترانسهيومانيزم: نحو فلسفة مستقبلية»، وهو أول نص يطرح الترانسهيومانيزم المعاصر بوصفه فلسفة مسمّاة ومتميزة.

في 1992، أسس مور ومعاونوه «معهد الإكستروبي» (Extropy Institute) رسمياً، وأطلقوا قائمة بريد إلكتروني صارت حاضنة خصبة لأفكار الذكاء الاصطناعي وتقنية النانو والتبريد العميق وتحميل الوعي والعملات المشفّرة. استضاف المعهد مؤتمرات من 1994 إلى 2004، ثم أُغلق عام 2006 بعد أن أعلن مجلس إدارته أن مهمته «اكتملت جوهرياً». تولى مور لاحقاً رئاسة مؤسسة ألكور للتبريد العميق من 2011 إلى 2020.

زوجته ناتاشا فيتا مور (Natasha Vita-More) كتبت «بيان الترانسهيومان» عام 1983. وصمّمت نموذج «بريمو ما بعد الإنسان» (Primo Posthuman) بالتعاون مع مارفن مينسكي، رائد الذكاء الاصطناعي في MIT، وهانز مورافيك.

نيك بوستروم والإعلان الترانسهيوماني: نحو الاحترام الأكاديمي

في عام 1998، أسس الفيلسوف السويدي نيك بوستروم (Nick Bostrom) والفيلسوف البريطاني ديفيد بيرس «الرابطة العالمية للترانسهيومانيزم» (World Transhumanist Association)، ساعياً إلى «تطوير شكل أكثر نضجاً واحتراماً أكاديمياً» للحركة. أصدرت الرابطة وثيقتين مؤسستين: «الإعلان الترانسهيوماني» (1998، نُقّح في 2002 و2009) و«الأسئلة الشائعة حول الترانسهيومانيزم» (2003). غُيّر اسم الرابطة إلى «إنسانية+» (Humanity+) عام 2008. ينص الإعلان على أن «البشرية ستتغير جذرياً بفعل التكنولوجيا»، وأن الترانسهيومانيين «يؤيدون الحق الأخلاقي لمن يرغب في استخدام التكنولوجيا لتوسيع قدراته الذهنية والجسدية».

أسس بوستروم «معهد مستقبل الإنسانية» (Future of Humanity Institute) في أكسفورد عام 2005، ونشر كتابه «الذكاء الفائق» (Superintelligence) عام 2014 الذي تصدّر قوائم الأكثر مبيعاً. أُغلق المعهد عام 2024.

لكن بوستروم نفسه لم يسلم من الفضائح. في يناير 2023، ظهرت رسالة بريد إلكتروني أرسلها في التسعينيات إلى قائمة الإكستروبيين كتب فيها عبارات عنصرية صريحة عن السود مع استخدام ألفاظ مسيئة. اعتذر ووصفها بالـ«مقززة» لكنه لم يتراجع صراحةً عن مضمون ادعاءاته حول معدلات الذكاء. حققت أكسفورد وأعلنت في أغسطس 2023 أنها «لا تعتبره عنصرياً». ربط النقاد هذه الحادثة بمخاوف أوسع حول التقاطع بين الترانسهيومانيزم وأفكار التفوق العرقي.

ثانياً: كيف استولى وادي السيليكون على حركة فلسفية

المسافة بين أقسام الفلسفة ومجالس إدارات شركات التكنولوجيا لم تُقطع بالصدفة. ثمة مسار ثقافي محدد مرّ عبر منطقة خليج سان فرانسيسكو، حيث تحوّلت أفكار أكاديمية عن تجاوز الإنسان إلى مشاريع استثمارية بمليارات الدولارات.

الأيديولوجيا الكاليفورنية: حين تزوجت الهيبيز من رأس المال

في عام 1995، نشر ريتشارد باربروك وأندي كاميرون مقالهما الشهير «الأيديولوجيا الكاليفورنية» (The Californian Ideology) في مجلة Mute، وصفا فيه كيف يمزج وادي السيليكون «روح الهيبيز المتحررة بحماس رواد الأعمال» عبر «إيمان عميق بالقدرة التحريرية لتكنولوجيا المعلومات الجديدة». ستيوارت براند، مؤسس «كتالوج الأرض بأكملها» (Whole Earth Catalog) عام 1968، الذي وصفه ستيف جوبز بأنه «غوغل في نسخة ورقية»، جسّد هذا المزج بشعاره: «نحن كالآلهة، فلنُحسن التصرف بناءً على ذلك».

هذا المزيج بين طوباوية ثقافة الستينيات المضادة وليبرتارية السوق الحرة خلق تربة خصبة للترانسهيومانيزم. قائمة الإكستروبيين البريدية، المتمركزة في كاليفورنيا، وصلت بين المستقبليين وروّاد التشفير والمبرمجين ورواد الأعمال التقنيين. بحلول مطلع الألفية، صارت أفكار الترانسهيومانيزم جزءاً من الهواء الفكري الذي يتنفسه وادي السيليكون.

وربما كان التفسير أبسط من هذا كله: ثمة شيءٌ ما ينكسر في عقل الإنسان حين تبلغ ثروته المليارات. كثيرٌ من قادة وادي السيليكون تضخمت ذواتهم، بحقٍّ أحياناً وبلا أي حق في أحيان أكثر، وأعانتهم على ذلك حاشيةٌ لا تجيد إلا التصفيق. فانتهى بنا المطاف أمام مليارديرات يطمحون للعيش إلى الأبد، لا حباً في الحياة بالضرورة، بل لأن البشرية، في تقديرهم، لا تستطيع الاستغناء عنهم.

خريطة المليارديرات: من يموّل الحرب على الموت؟

راي كورزويل

المخترع والمؤلف راي كورزويل (Ray Kurzweil)، مدير الهندسة في غوغل منذ 2012، هو النبيّ الأبرز للحركة. في كتابيه «عصر الآلات الروحانية» (1999) و«التفرد قريب» (The Singularity Is Near, 2005)، تنبأ بأن الذكاء الاصطناعي سيجتاز اختبار تورينغ بحلول 2029، وأنه بحلول 2045، في اللحظة التي يسميها «التفرد» (Singularity)، سيضاعف البشر ذكاءهم الفعلي مليار مرة عبر الاندماج مع الذكاء الذي ابتكروه. يتناول كورزويل نحو مئة حبة يومياً ويُنفق ما يُقدَّر بمليون دولار سنوياً على صيانة جسده. يدّعي دقة 86% في تنبؤاته، لكن تقييماً مستقلاً أجراه ستيوارت أرمسترونغ من معهد مستقبل الإنسانية أعطاه 42% فقط.

بيتر ثيل

المؤسس المشارك لـ PayPal ومؤسس Palantir، بيتر ثيل (Peter Thiel)، صرّح عام 2012: «الموت مشكلة يمكن حلّها». تبرع بـ 3.5 مليون دولار لمؤسسة ميثوسيلا (Methuselah Foundation) وبملايين أخرى لمؤسسة SENS البحثية. أسس مختبرات Breakout Labs عام 2011 باستثمار 7 ملايين دولار في نحو 24 شركة تكنولوجيا حيوية. واستثمر في Unity Biotechnology التي تستهدف الخلايا الشائخة (Senescent Cells). شركته Founders Fund قادت جولة تمويل نيورالينك بـ 280 مليون دولار عام 2023.

غوغل ضد الموت: كاليكو

في سبتمبر 2013، أعلن لاري بيج وسيرجي برين إطلاق «كاليكو» (Calico Labs، اختصاراً لـ California Life Company)، فتصدرت الخبر غلاف مجلة TIME بعنوان «غوغل ضد الموت». يرأسها آرثر ليفنسون (الرئيس التنفيذي السابق لـ Genentech)، وشراكتها مع AbbVie بلغت 1.5 مليار دولار على الأقل. وصل إجمالي الاستثمارات إلى 3.5 مليار دولار. سيرجي برين شخصياً يحمل طفرة جينية في LRRK2 ترفع خطر إصابته بمرض باركنسون، وقد تبرع بـ 1.1 مليار دولار لأبحاث هذا المرض.

بيزوس وألتوس لابز: 3 مليارات لإعادة برمجة الخلايا

موّل جيف بيزوس (Jeff Bezos) تأسيس «ألتوس لابز» (Altos Labs)، التي انطلقت في يناير 2022 بتمويل أولي بلغ 3 مليارات دولار، ما جعلها أضخم شركة تكنولوجيا حيوية ناشئة من حيث التمويل. يرأس مجلسها الاستشاري العلمي الحائز على نوبل شينيا ياماناكا (Shinya Yamanaka)، مكتشف إعادة برمجة الخلايا. تعرض على العلماء رواتب تبلغ مليون دولار سنوياً، وتركز على «إعادة البرمجة الخلوية» (Cellular Reprogramming)، أي إرجاع الخلايا الشائخة إلى حالة شبابية.

بريان جونسون: الرجل الذي يعامل جسده كبرنامج حاسوبي

مؤسس Braintree/Venmo (التي استحوذت عليها eBay بـ 800 مليون دولار عام 2013)، أطلق بريان جونسون (Bryan Johnson) مشروعه «بلوبرنت» (Project Blueprint) في أكتوبر 2021: بروتوكول متطرف لمكافحة الشيخوخة يشمل أكثر من 130 حبة يومياً، ونظاماً غذائياً صارماً، وفريقاً من 30 طبيباً، بكلفة تتجاوز مليوني دولار سنوياً.

جرّب جونسون العلاج الجيني بالفوليستاتين في هندوراس (خارج رقابة FDA الأمريكية) في أكتوبر 2023. وأجرى «تبادل بلازما متعدد الأجيال» مع ابنه تالمج (17 عاماً) ووالده ريتشارد (70 عاماً)، قبل أن يعترف لاحقاً بأنه لم يحقق له «أي فائدة» شخصياً وأوقف التجربة. أُنتج عنه فيلم وثائقي على نتفليكس بعنوان «لا تمت» (Don’t Die) عُرض في يناير 2025. لكنه تراجع عن منصب الرئيس التنفيذي في يوليو 2025.

إيلون ماسك ونيورالينك: دمج الدماغ بالآلة

أسس إيلون ماسك (Elon Musk) شركة نيورالينك (Neuralink) عام 2016 بأهداف تتراوح بين علاج أمراض الدماغ وتحقيق «التعايش بين الإنسان والآلة». صرّح عام 2018: «في أفضل السيناريوهات، نندمج فعلياً مع الذكاء الاصطناعي». حصلت نيورالينك على موافقة FDA للتجارب البشرية في مايو 2023، وزرعت أول شريحة في دماغ نولاند آربو (Noland Arbaugh)، المصاب بشلل رباعي، في 28 يناير 2024. بحلول منتصف 2025 كان تسعة مرضى قد خضعوا للزراعة. إجمالي تمويل الشركة تجاوز مليار دولار بتقييم 8.5 مليار دولار.

الأرقام: 12.5 مليار دولار وأكثر

الحجم المالي لهذه الحركة مذهل. منذ 2015، جمعت أكثر من 75 شركة متخصصة في إطالة العمر نحو 12.5 مليار دولار. يُقدَّر حجم سوق إطالة العمر بـ 21.29 مليار دولار عام 2024، مع توقعات بأن يبلغ 63 مليار دولار بحلول 2035. أما سوق واجهات الدماغ والحاسوب فيبلغ 2.09 مليار دولار حالياً ومن المتوقع أن يصل إلى 8.73 مليار بحلول 2033.

أما التبريد العميق (Cryonics) فلا يزال هامشياً: تحتفظ مؤسسة ألكور بنحو 230 (مريضاً) مجمّداً، وتتقاضى 200 ألف دولار لحفظ الجسد كاملاً.

ونحن هنا في معرض الإشارة إلى الحركة والمشهد الاستثماري والأيديولوجي لإطالة العمر، لا تقييم علمها. فالأبحاث المتعلقة بمكافحة الشيخوخة وإعادة البرمجة الخلوية والتبريد العميق تستحق مناقشة علمية مستقلة تفحص ما هو قائم على أدلة صلبة وما هو محض تسويق بلغة المختبرات. هذا النقاش على رأس قائمة المقالات القادمة في البدايات.

ثالثاً: المشهد الراهن، 2023 إلى 2025

سام ألتمان: حين يتقاطع الذكاء الاصطناعي مع إطالة العمر

استثمر سام ألتمان (Sam Altman)، الرئيس التنفيذي لـ OpenAI، 180 مليون دولار شخصياً في شركة Retro Biosciences، وهو ما وصفه بأنه «كل ثروتي السائلة». تركز الشركة على إعادة البرمجة الخلوية والالتهام الذاتي (Autophagy). في يناير 2025، أعلنت عن جولة تمويل من الفئة A بقيمة مليار دولار. درّبت الشركة نموذجاً يُسمى GPT-4b micro بالتعاون مع OpenAI لاكتشاف عوامل إعادة برمجة جديدة تحوّل الخلايا العادية إلى خلايا جذعية، ما يجعلها من أولى التطبيقات المباشرة لتقاطع الذكاء الاصطناعي مع علوم إطالة العمر.

ألتمان أيضاً شارك في تأسيس «وورلد كوين» (Worldcoin، أُعيدت تسميتها «World» عام 2024)، التي تستخدم أجهزة مسح قزحية العين لإنشاء هويات بيومترية رقمية. النظام يُقدَّم بوصفه بنية تحتية للدخل الأساسي الشامل في عصر الذكاء الاصطناعي، لكنه واجه ردود فعل تنظيمية عنيفة: كينيا علّقت العمليات، وإسبانيا أوقفت جمع البيانات، وهونغ كونغ داهمت ستة مواقع.

التسارعية الفعالة وبيان أندريسن: حين تتحول الأيديولوجيا إلى سياسة

في أكتوبر 2023، نشر مارك أندريسن (Marc Andreessen) «بيان التفاؤل التقني» (The Techno-Optimist Manifesto)، مقالاً من 5200 كلمة يحتوي على عبارة «نحن نؤمن» 113 مرة. احتضن عناصر ترانسهيومانية صريحة: «نحن نؤمن بالتغلب على الطبيعة»، وقسم بعنوان «نصير إنساناً فائقاً تقنياً». أعاد صياغة بيان المستقبليين الإيطاليين لفيليبو توماسو مارينيتي (1909)، وأدرج «المسؤولية الاجتماعية» و«الثقة والسلامة» و«الاستدامة» و«أخلاقيات التكنولوجيا» ضمن قائمة «الأعداء».

خاتمة: فلسفة ابتلعتها السلطة

بدأت هذه الرحلة بخوف الإنسان من الفناء، وهو خوفٌ مشروع وقديم قِدَم الوعي ذاته، ثم مرّت بفلاسفة حلموا بتجاوز حدود الجسد، فصاغوا أفكاراً تستحق التأمل والمساءلة معاً. لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن تطوراً طبيعياً لفكرة فلسفية بقدر ما كان استيلاءً عليها: حركةٌ وُلدت في أقسام الفلسفة فابتلعها المال، وأسئلةٌ وجودية حوّلها المليارديرات إلى خطط أعمال.

عاد جلجامش من رحلته خالي الوفاض ولم يبقَ له إلا أسوار أوروك يتأملها. لكن أثرياء وادي السيليكون لا ينوون العودة بلا عشبة الخلود، وقد سلّحهم الذكاء الاصطناعي بأدوات لم يحلم بها جلجامش ولا بيكون ولا هكسلي. غير أن الإسلام، وهو الإطار الذي يتنفس فيه أغلب قرّاء هذه المنصة، يضع حقيقة لا مساومة فيها: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. فالسؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس: هل سينجحون في هزيمة الموت؟ بل: وهم يحاولون، من سيستفيد ومن سيُهمَل؟ ومن يملك أن يقرر أيّ الأجساد تستحق الإصلاح وأيّها يُترك للزمن؟ وهل ستكون ثمار هذا العلم، إن أثمر، نعمةً مشتركة أم امتيازاً يُضاف إلى امتيازات من يملكون كل شيءٍ أصلاً؟

«تعبٌ كلُّها الحياةُ فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازديادِ» أبوالعلاء المعري

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *