سلطة تعريف المرض

حين دخل الأطباء المرافقون لحملة نابليون مصر استوقفهم أمر لم يألفوه في بلادهم، كان الدم في بول الرجال شائعاً إلى حد دفعهم إلى وصف مصر بأنها البلد الوحيد الذي يحيض فيه الرجال. لم يعرف أحد يومها أن وراء ذلك دودة دقيقة تعيش في مياه النيل، تخترق الجلد وتستقر في أوردة المثانة، ولم توصف إلا بعد عقود في القاهرة. كان العرض الذي رآه الغرباء علامة مرض جزءاً من المألوف في عين أهل البلد، وهو نمط ما زال قائماً في مجتمعات إفريقية كثيرة. ففي تقرير نشره أطباء أطفال في غانا عام 2014 أن المجتمعات الموبوءة تتقبل الدم في البول بوصفه أمراً يمر به كل طفل ثم يكبر عنه، حتى إن الطفل الذي لا يرى دماً في بوله قد يعده أقرانه غير طبيعي.[1] أما الأطفال الخمسة الذين عرض التقرير حالاتهم فكانوا يعانون انسداداً في المسالك البولية أحدثته العدوى، ومات اثنان منهم بفشل كلوي.

على الطرف الآخر من العالم، أصدرت الكلية الأمريكية لأمراض القلب وجمعية القلب الأمريكية في نوفمبر 2017 إرشادات جديدة خفضت عتبة تشخيص ارتفاع ضغط الدم من 140/90 إلى 130/80 ملم زئبق.[2] وحين طبق فريق من الباحثين التعريف الجديد على بيانات المسح الصحي الوطني الأمريكي، قفزت نسبة البالغين المصابين بارتفاع الضغط من 31.9% إلى 45.6%، ليصل عددهم إلى نحو 103 ملايين إنسان.[3] لا شيئ تغير في شرايين هؤلاء والذي تحرك هو الخط المرسوم على الورق، ومعه انتقلت عشرات الملايين من خانة الأصحاء إلى خانة المرضى. قد يبدو هذا المثال بعيداً عن القارئ العربي، لكن العتبات التي ترسمها هذه اللجان تنتقل في الغالب إلى عياداتنا وكتبنا الطبية بعد سنوات قليلة، دون أن تمر بنقاش مماثل.

عند التأمل في المثالين أعلاه، نطرح سؤال اليوم: من يملك سلطة رسم الحد بين الصحة والمرض، وكيف يتغير موضع هذا الحد بين المجتمعات الغنية والفقيرة وبين الثقافات. يعنينا السؤال بصفة خاصة لأن أنظمتنا الصحية تأخذ تعريفاتها للمرض في الغالب قوالب جاهزة من مراجع صاغتها لجان في بلاد أخرى وبنتها على بيانات من سكان آخرين.

الأمثلة التي نعرضها هنا ليست من نوع واحد. فهناك أمراض حقيقية بكل المقاييس البيولوجية تعاملت معها مجتمعاتها بوصفها حالاً طبيعية، كالبلهارسيا التي تدمر الكلى ويراها أهل القرية علامة بلوغ. وهناك حالات لا خلل فيها أصلاً صنفت أمراضاً لخدمة سلطة أو سوق، كالتشخيص الذي اخترع في القرن التاسع عشر لتفسير هروب المستعبدين. وبينهما فئة ثالثة أكثر إرباكاً، وهي حالات يوسع العلم حدودها لأنه صار يرى ما لم يكن يراه: فقياس ضغط الدم وكثافة العظام وتحليل الجينوم أدوات لم تكن موجودة قبل قرن، وكل أداة جديدة تفرض شروطاً وتصنيفات جديدة وتكشف خطراً حقيقياً لدى أناس يشعرون أنهم أصحاء. فالقراءة الصحيحة لما يلي ليست أن كل تعريف طبي اختراع اجتماعي، وإنما أن التعريف طبقتان: ما يكشفه العلم، وما يقرره الناس بشأن ما كشفه العلم.

الداء والعلة والسقم

هل المرض حقيقة بيولوجية نكتشفها أم حكم نصدره؟ سؤال قسم من كتبوا في فلسفة الطب إلى مذاهب. يرى كريستوفر بورس أن المرض حقيقة بيولوجية تقاس، فلكل عضو في الجسد وظيفة، وإذا أدى العضو وظيفته بكفاءة أقل مما هو معتاد عند أغلب الناس من العمر والجنس نفسيهما فصاحبه مريض، سواء شعر بضرر أم لم يشعر.[4] وعلى هذا الأساس يعد عمى الألوان مرضاً، لأن عين صاحبه لا تميز بعض الألوان كما تميزها عيون أغلب الناس، حتى لو عاش حياته كلها دون أن يعيقه ذلك. أما جيروم ويكفيلد فيقبل أن الخلل الوظيفي شرط للاضطراب، ويضيف شرطاً ثانياً هو أن يلحق الخلل بصاحبه ضرراً يقاس بمعايير المجتمع وقيمه.[5] ويوضح الفرق مثال عسر القراءة: فصعوبة ربط الحروف بأصواتها لا تضر صاحبها في مجتمع لا يقرأ أهله، وتصبح إعاقة في مجتمع تقوم فيه الدراسة والعمل على القراءة.

اقترح الطبيب النفسي والباحث في الأنثروبولوجيا الطبية آرثر كلاينمان مخرجاً عملياً من هذا الجدل، حين فرق بين ما يراه الطبيب من خلل في الأنسجة والوظائف وما يعيشه المريض من ألم وتعطل في حياته.[6] ويمكن أن نستعير من العربية ثلاث كلمات لهذه الطبقات: الداء (disease) وهو الخلل كما تصفه الكتب الطبية، والعلة (illness) وهي التجربة كما يعيشها صاحبها، والسقم (sickness) وهو المكانة التي يمنحها المجتمع للمريض. وقد وصف تالكوت بارسونز هذه المكانة منذ عام 1951، فرأى أنها تعفي صاحبها من بعض واجباته كالعمل والدراسة، لكنها تلزمه في المقابل بالسعي إلى الشفاء والتعاون مع الطبيب.[7]

من يرسم الخط

تتوزع سلطة التعريف على عدد محدود من المؤسسات. تصدر منظمة الصحة العالمية التصنيف الدولي للأمراض (ICD)، وهو المرجع الذي تعتمده الدول في إحصاءات الوفيات وتقارير الأوبئة وأنظمة الفوترة الطبية. وتصدر الجمعية الأمريكية للطب النفسي الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM)، وهو دليل تضعه جمعية مهنية في بلد واحد لكنه صار لغة مشتركة في البحث والتدريب والتأمين حول العالم. وإلى جانبهما تعمل لجان الإرشادات السريرية التي تحدد عتبات الضغط والسكر والكوليسترول، وهيئات تنظيم الدواء التي تمنح الحالة شرعية حين توافق على دواء لعلاجها، وشركات التأمين التي تقرر أي تشخيص يستحق التعويض.

فرض معايير جديدة توسع دائرة المرض يعني مرضى جدداً وسوقاً أوسع لمن يبيع العلاج، فهل هناك تضارب مصالح عند القائمين على تعريف نطاق المرض؟ درست الباحثة ليزا كوسجروف وزملاؤها الروابط المالية لأعضاء اللجان التي صاغت الطبعة الرابعة من الدليل التشخيصي الأمريكي، فوجدوا أن 56% منهم كانت لهم علاقة مالية واحدة على الأقل بشركات الأدوية، وأن النسبة بلغت 100% في لجنتي اضطرابات المزاج والفصام، وهما الفئتان اللتان تعد الأدوية فيهما خط العلاج الأول.[8] وبقيت مرتفعة في الطبعة الخامسة رغم سياسة الإفصاح الجديدة، إذ بلغت 69% بين أعضاء فريق العمل.[9] وينبغي أن ننبه إلى أن هذه الأرقام لا تثبت أن أحداً بدل رأيه العلمي مقابل المال، فالعمل الاستشاري مع الشركات شائع بين الأكاديميين داخل هذه اللجان وخارجها. غير أن أثر هذه الروابط على مضمون التوصيات قيس مباشرة في مراجعة منهجية جمعت 21 دراسة غطت 106 أدلة سريرية و1809 تقارير للجان استشارية، فوجدت أن الوثائق التي كتبها مؤلفون لهم روابط مالية كانت أميل إلى التوصية بالدواء أو الجهاز صاحب الصلة، وإن بقي الفارق محدوداً ومحاطاً بعوامل مربكة يقر بها الباحثون أنفسهم.[10]

لكن الإنصاف يقتضي ألا نقرأ كل توسيع للتعريف على أنه خدمة للسوق. فلجنة إرشادات ضغط الدم استندت إلى تجارب سريرية أظهرت أن خفض الضغط إلى مستويات أدنى يقلل الجلطات والسكتات لدى فئات من المرضى.[2] والأهم أن التعريف الجديد لم يترجم إلى وصفات دوائية بالقدر الذي يوحي به عدد المرضى الجدد، فنسبة البالغين الذين أوصت الإرشادات بعلاجهم بالأدوية ارتفعت من 34.3% إلى 36.2% فقط، ووُجه أغلب الباقين إلى تغيير نمط الحياة.[3] يظهر هنا الفرق بين التشخيص والعلاج، فقد تتسع قاعدة المرضى دون زيادة مماثلة في اللجوء إلى الدواء. ومع ذلك يبقى للأمر وقعه، إذ يدخل في سجل المريض وفي حسابات تأمينه وفي نظرته إلى جسده وعافيته.

ويبلغ هذا الطابع الإجرائي ذروته حين يُحسم التصنيف بالتصويت. ففي ديسمبر 1973 قرر مجلس أمناء الجمعية الأمريكية للطب النفسي حذف المثلية الجنسية من دليلها التشخيصي، وحين اعترض فريق من الأعضاء طُرح القرار للاستفتاء عام 1974 فأيده 58% من المصوتين.[11] وأياً كان موقف القارئ من المسألة ذاتها، وهو موقف تحكمه اعتبارات دينية وأخلاقية لا يحسمها دليل طبي، فإن ما يهم هنا هو الإجراء: سؤال عن حدود المرض حسمته أغلبية أعضاء جمعية مهنية بالاقتراع. ولم يتوقف هذا النمط عند الماضي. فاضطراب الحزن المطول (prolonged grief disorder) دخل الطبعة الحادية عشرة من التصنيف الدولي بشرط أن يستمر الحزن ستة أشهر بعد الفقد، بينما اشترط الدليل الأمريكي اثني عشر شهراً.[12]

السوق والتعريف

نشرت المجلة الطبية البريطانية (BMJ) مقالاً في عام 2002 صار مرجعاً في هذا الباب، تناول فيه كاتبوه مفهوم تسويق المرض (disease mongering) وعرفوه بأنه توسيع حدود المرض القابل للعلاج بهدف توسيع الأسواق أمام من يبيعون العلاج.[13] يعمل هذا التوسيع بأساليب متعددة، منها تقديم مشكلات الحياة العادية على أنها حالات طبية، وتصوير الأعراض الخفيفة على أنها نذير بمرض خطير، ومعاملة عوامل الخطر كأنها أمراض قائمة، وتضخيم تقديرات أعداد المصابين. ولا يتطلب ذلك كذباً صريحاً، إذ يكفي أن تمول الشركة حملات توعية وترعى مؤتمرات وتدعم جمعيات مرضى، فيتحدث أطباء بارزون عن حالة لم يسمع بها الجمهور، ثم يصل الدواء في موعده. ودعا كاتبو المقال إلى فصل تمويل التوعية بالأمراض عن مصالح من يبيعون علاجها.

أما السمنة فتقدم مثالاً على أن إعادة رسم الحد قد تتجه في الاتجاهين معاً. في يناير 2025 نشرت لجنة دولية في مجلة لانست للسكري والغدد الصماء (Lancet Diabetes & Endocrinology) تعريفاً يفرق بين السمنة السريرية، وهي مرض مزمن يظهر في خلل وظيفي بالأعضاء أو عجز عن الأنشطة اليومية، والسمنة ما قبل السريرية، وهي زيادة في الدهون مع بقاء الوظائف سليمة، فتكون حالة خطر لا مرضاً قائماً.[14] ودعت اللجنة إلى تجاوز مؤشر كتلة الجسم (BMI) وحده، لأنه لا يقيس الدهون مباشرة. فالتعريف يضيق دائرة المرض على من صنفتهم الأرقام وحدها مرضى، ويوسعها لمن يعانون تلفاً في أعضائهم رغم أن أوزانهم لا تثير القلق. غير أن توقيت النقاش لا ينفصل عن السوق، فقد جاء في سنوات صارت فيها أدوية إنقاص الوزن من أكثر الأدوية طلباً، فصار السؤال عمن هو مريض بالسمنة سؤالاً عمن يستحق أن يدفع التأمين ثمن علاجه.

حتى مفهوم الندرة يخضع للمنطق نفسه. فالمرض النادر في الولايات المتحدة، وفق قانون الأدوية اليتيمة (Orphan Drug Act) وتعديلاته، هو ما يصيب أقل من 200 ألف شخص، وهو تعريف وضع لتحديد من يستحق الحوافز الضريبية وسنوات الاحتكار السبع التي يمنحها القانون لمطوري أدوية هذه الأمراض.[15] أما الاتحاد الأوروبي فيعد المرض نادراً إذا أصاب ما لا يزيد على 5 من كل 10 آلاف شخص.[16] وبما أن الرقم الأمريكي يعادل اليوم قرابة 6 من كل 10 آلاف، فإن حالة بعينها قد تستحق صفة الندرة على ضفة من الأطلسي وتفقدها على الضفة الأخرى. الندرة هنا صفة إدارية تفتح باب الحوافز أو تغلقه، ولا صلة لها بطبيعة المرض نفسه.

الصحة والمرض بين الغنى والفقر

في المجتمعات الفقيرة تعمل الندرة في الاتجاه المعاكس. فالعرض الذي يصيب الجميع يصير مألوفاً، وحين يغيب المختبر والطبيب والدواء لا يجد الناس فائدة في الاعتراف بالمرض. ويذكر أطباء غانا في تقريرهم أن هذه الألفة امتدت إلى المنظومة الطبية نفسها، إذ تعطي برامج العلاج الجماعي الأطفال الدواء دون أن تفحص ما أحدثته العدوى في كلاهم ومسالكهم البولية.[1] هكذا يصبح الفقر نفسه أداة تعريف، تقرر أي الآلام تستحق اسماً وأيها يُترك بلا اسم.

وحتى حين تتوافر أدوات الفحص، تبقى المشكلة في المسطرة التي تقاس بها النتائج. فحدود الوزن الطبيعي المعتمدة دولياً تضع مؤشر كتلة الجسم بين 18.5 و25. وحين راجعت مشاورة خبراء نظمتها منظمة الصحة العالمية البيانات الآسيوية عام 2004، وجدت أن سكاناً آسيويين كثيرين يواجهون خطر السكري وأمراض القلب عند أوزان تعد طبيعية بالمعيار الدولي، فأبقت الحدود العامة واقترحت نقاط تدخل إضافية عند 23 و27.5.[17] ومن طب الكلى مثال آخر: ظلت المعادلة الأكثر استخداماً لتقدير وظائف الكلى في الولايات المتحدة تضيف معاملاً عرقياً يرفع التقدير لدى المرضى السود، فتبدو كلاهم أفضل حالاً مما هي عليه، إلى أن نُشرت عام 2021 معادلات جديدة تستغني عن العرق.[18] والدرس أن الحد بين الطبيعي والمرضي يرسم على أجساد بعينها ثم يعمم على غيرها.

ثم إن للمرض ثمناً اقتصادياً يختلف باختلاف المجتمع. في الدول التي تملك أنظمة رعاية اجتماعية راسخة، يفتح التشخيص أبواباً محددة، كالإجازة المرضية المدفوعة والتعويض عن العجز والتغطية التأمينية والحماية من الفصل، وهذا ما قصده بارسونز حين وصف المرض بأنه مكانة اجتماعية تعفي صاحبها من واجبات بعينها.[7] أما العامل اليومي في اقتصاد غير رسمي، وهو حال أعداد هائلة في بلداننا، فلا يمنحه التشخيص إجازة ولا تعويضاً، ويكلفه أجر اليوم الذي يقضيه في العيادة فوق ثمن الفحص والدواء. لذلك يصبح التشخيص في مجتمع غني حقاً يسعى إليه الناس، وقد يصبح في مجتمع فقير عبئاً يتجنبه المرء ما دام قادراً على الوقوف. فالاختلاف بين المجتمعين يتجاوز المعايير الطبية إلى معنى أن يكون المرء مريضاً وما يترتب عليه من حقوق وأعباء.

التشخيص في خدمة من يحكم

للتصنيف الطبي تاريخ طويل في خدمة أصحاب القوة. ففي عام 1851 نشر الطبيب الأمريكي صامويل كارترايت تقريراً في مجلة طبية بمدينة نيو أورليانز وصف فيه مرضاً سماه درابيتومانيا (drapetomania)، أي هوس الفرار، وجعله تفسيراً لهروب المستعبدين من أسيادهم.[19] وفي الاتحاد السوفيتي استخدم تشخيص الفصام البطيء (sluggish schizophrenia) وما شابهه لإيداع المعارضين في مستشفيات نفسية، حتى قدر أن نحو ثلث السجناء السياسيين احتجزوا فيها، واضطرت الجمعية السوفيتية للطب النفسي إلى الانسحاب من الجمعية العالمية عام 1983 تحت ضغط الاتهامات.[20] وفي الحالتين كان أصحاب هذه التشخيصات أطباء يكتبون في مجلات طبية ويستخدمون لغة العلم ومصطلحاته، وكانت العلة في أن التعريف صيغ منذ البداية ليخدم نظاماً قائماً ويمنحه غطاء من الشرعية.

ولهذا التاريخ فصل مؤلم يخصنا. ففي الجزائر أسس الطبيب الفرنسي أنطوان بورو ما عرف بمدرسة الجزائر في الطب النفسي، وهي مدرسة قدمت على مدى عقود وصفاً يدعي العلمية للإنسان الجزائري والمغاربي عموماً، صورته فيه كائناً بدائياً اندفاعياً ميالاً إلى العنف، ضعيف القدرة على التفكير المجرد، وبنت على ذلك ممارسات علاجية وقضائية.[21] وحين التحق الطبيب النفسي فرانز فانون بمستشفى البليدة في خمسينيات القرن الماضي، واجه هذه المدرسة من داخل مهنتها، ثم كتب في معذبو الأرض أن كثيراً من الاضطرابات التي رآها في مرضاه كانت نتاجاً مباشراً للعنف الاستعماري، وأن ما وصفته مدرسة الجزائر طبعاً ثابتاً في الجزائري كان في حقيقته أثراً للاستعمار نفسه.[22] وجزء من أول معرفة نفسية حديثة كتبت عن الإنسان المغاربي صاغها من كان يحكمه، فكان سؤال التعريف يومها سؤالاً عن السيادة.

الانتفاخ ومس الجن ولغات الشكوى

يمكن للثقافة أن تصطدم بالتصنيف دون أي سلطة استعمارية. ففي مطلع التسعينيات درس الطبيب النفسي سينج لي وزملاؤه سبعين مريضاً صينياً بفقدان الشهية العصبي (anorexia nervosa) في هونج كونج، فوجدوا أن 41 منهم لم يبدوا أي خوف من السمنة طوال مرضهم، مع أن هذا الخوف كان عنصراً أساسياً في معايير التشخيص الغربية المعتمدة يومها.[23] برر هؤلاء امتناعهم عن الطعام بانتفاخ المعدة أو بغياب الشهية أو بأنهم صاروا يأكلون أقل، أي بلغة جسدية لا تشبه لغة المرضى في الغرب، فكان التطبيق الحرفي للمعايير سيحرم أغلبهم من التشخيص رغم هزالهم الشديد. وقد تتبع الصحفي الأمريكي إيثان واترز قصصاً مشابهة من اليابان وسريلانكا وزنجبار، ليخلص إلى أن تصدير المفاهيم الأمريكية عن المرض النفسي يعيد تشكيل طريقة تعبير الناس عن معاناتهم، إلى جانب تسميتها.[24]

ويعرف كثير من القراء العرب نسخة قريبة من هذا الاصطدام. ففي دراسة أجريت في عيادة هولندية متخصصة في الطب النفسي عبر الثقافات، قابل الباحثون 49 مريضاً مسلماً، فوجدوا أن 43% منهم كانوا على يقين بأن أعراضهم النفسية سببها الجن، وأن 27% استبعدوا ذلك، وأن 31% كانوا مترددين، وكان كثير ممن رفضوا المشاركة قد أرجعوا رفضهم إلى الخوف من الوصم أو من عواقب غيبية للحديث في الأمر.[25] ولا يلزم من ذلك تعارض تفسير المريض مع تشخيص الطبيب، فالمؤمن قد يرى في المرض ابتلاء ويطلب له العلاج، ويجمع بين الرقية والدواء دون أن يشعر بتناقض. تنشأ المشكلة حين لا يملك النظام الطبي لغة مشتركة يسمع بها تفسير المريض فيعده عرضاً من أعراض مرضه، أو حين لا يجد المريض في العيادة مكاناً لما يؤمن به فيذهب إلى غيرها ويتأخر علاجه سنوات.

من هذه التجارب انطلق الطبيب النفسي البريطاني ديريك سمرفيلد في نقده لحركة الصحة النفسية العالمية، إذ رأى أن نشر المفاهيم الغربية للصحة النفسية في المجتمعات الفقيرة يعني نشر طريقة غربية معاصرة في فهم الإنسان لنفسه، وأن كثيراً مما يسجل في تلك المجتمعات اضطراباً قد يكون استجابة مفهومة لظروف قاسية من فقر وحرب وظلم.[26] لهذا لنقد وجاهته في منطقتنا، حيث يعيش ملايين الناس في ظروف حرب أو تهجير، ويسهل على المنظمات الدولية أن تحول معاناة جماعية لها أسباب سياسية إلى ملفات فردية تعالج بجلسات ودواء.

الوجه الآخر للسلطة

كثيراً ما يعني غياب التشخيص في المجتمعات الفقيرة أن الناس يعانون أمراضاً قابلة للعلاج دون أن يعالجهم أحد، وهو ما يغيب أحياناً عن النقد الموجه إلى التصنيف باسم احترام الثقافات المحلية. فحين قارنت مسوح الصحة النفسية العالمية التي نسقتها منظمة الصحة العالمية بين دول عدة، وجدت أن ما بين 35.5% و50.3% من الحالات الشديدة في الدول المتقدمة لم تتلق أي علاج خلال العام السابق للمسح، مقابل 76.3% إلى 85.4% في الدول الأقل نمواً.[27] وفي لبنان، أظهر أول مسح وطني من نوعه في المنطقة العربية أن 25.8% من البالغين أصيبوا باضطراب نفسي في حياتهم، وأن التعرض لأحداث الحرب رفع احتمال ظهور اضطرابات القلق لأول مرة نحو ستة أضعاف، وأن أقلية فقط تلقت علاجاً متخصصاً بعد تأخر امتد بين 6 سنوات و28 سنة.[28] فالنقص في التشخيص ضرر لا يقل عن ضرر المبالغة فيه، وقد يفوقه حيث لا تجد المعاناة من يسميها.

وفي السعودية، قدر المسح الوطني للصحة النفسية، الذي أجراه باحثون سعوديون ضمن مبادرة المسوح العالمية للصحة النفسية، أن 34.2% من المواطنين بين 15 و65 عاماً أصيبوا باضطراب نفسي في مرحلة ما من حياتهم، وكانت اضطرابات القلق أكثرها شيوعاً.[29] قد يعترض بعضهم على نقل أدوات قياس صممت في الغرب إلى مجتمع مختلف، وهو اعتراض مشروع، لكن المسح يمثل ما تحتاج إليه المنطقة: القدرة على قياس أمراضها بنفسها، فتناقش الأداة وتعدلها بدل أن تستورد الأرقام جاهزة أو تنكر المشكلة من أصلها.

تنتقل سلطة التسمية أحياناً إلى المرضى أنفسهم. فمصطلح كوفيد طويل الأمد (Long COVID) ظهر في منشورات المصابين على الإنترنت في ربيع 2020 وانتشر عبر مجموعاتهم قبل أن تتبناه المؤسسات الصحية.[30] استعمل المرضى الاسم للمطالبة بالاعتراف والبحث والرعاية، في مواجهة أطباء كانوا يردون أعراضهم إلى القلق أو المبالغة. لكن القدرة على انتزاع الاسم موزعة بغير عدل، إذ تحتاج إلى وقت وتعليم ومنابر تصل إلى صناع القرار، وهي أوفر في المجتمعات الغنية.

خاتمة: من يمثلنا على طاولة تعريف المرض؟

تتقاسم سلطة تعريف المرض أطراف كثيرة، منها لجان دولية تحدد العتبات، وأسواق تحدد الأمراض التي تستحق البحث عن علاج، وثقافات تحدد كيف يفهم الألم. ونصيب مجتمعاتنا من هذه السلطة محدود. فعدد من العتبات التي تشخص بها عياداتنا بني على بيانات من سكان آخرين، واللغة التي يصف بها المريض العربي ألمه قلما تجد مكاناً في معايير التشخيص النفسي، والفقر يترك كثيراً من الأمراض بلا اسم أصلاً. وثمة طرف آخر في هذه المعادلة نخصص له مقالة مستقلة، هو العلم نفسه حين يعجز عن تفسير ما يعانيه المريض فيمنحه اسماً مؤقتاً ريثما يعرف.

رفض التصنيف الدولي لن يحل هذه المشكلة، فغياب التشخيص يترك ملايين الناس بلا علاج، والأسماء قد تكون أداة للمطالبة بالحقوق كما تكون أداة للسيطرة. والخيار الواقعي أن تشارك مجتمعاتنا في صنع هذه التعريفات بدل أن تكتفي باستهلاكها، فتبني قيماً مرجعية مستمدة من سكانها، وتلزم لجان الإرشادات الوطنية بالإفصاح عن روابط أعضائها المالية. وقد أظهر المسح السعودي أن ذلك ممكن حين تتوافر الإرادة والتمويل. وحين يصدر تعريف جديد في جنيف أو واشنطن، يبقى على كل مجتمع أن يسأل على أي أجساد قيس هذا التعريف، فالمجتمع الذي لا يقيس أجساد أبنائه بنفسه سيظل يستعير من غيره تعريف صحتهم ومرضهم.

وتبقى حالة واحدة تختصر السؤال وتدفعه نحو مساحة جديدة، وهي الشيخوخة. فقد أدرجت منظمة الصحة العالمية في إعداد النسخة الحادية عشرة من تصنيفها الدولي رمزاً باسم الشيخوخة، فاعترضت جمعيات طب المسنين على تحويل مرحلة من العمر إلى تشخيص، وسحب الاسم ووضع مكانه وصف يشير إلى تراجع القدرات الذاتية مع التقدم في السن.[31] ويقابل هذا الاعتراض تيار في بحوث طول العمر يرى في الشيخوخة عملية بيولوجية قابلة للقياس والتدخل، ويطالب بتصنيفها مرضاً كي تفتح أمام علاجاتها أبواب الموافقات الدوائية والتغطية التأمينية. وهذا الخلاف مدخل إلى مقالة ثانية نكتبها عن الحالات التي يقف العلم عند حدودها، من المتغيرات الجينية التي لا نعرف معناها إلى الأمراض التي تتوارى خلف في المناطق الرمادية للمعرفة.

المراجع

  1. [1]Antwi S, Aboah KEK, Sarpong CKG. The unacknowledged impact of urinary schistosomiasis in children: 5 cases from Kumasi, Ghana. Ghana Med J. 2014;48(4):228–233. DOI: 10.4314/gmj.v48i4.11
  2. [2]Whelton PK, Carey RM, Aronow WS, et al. 2017 ACC/AHA/AAPA/ABC/ACPM/AGS/APhA/ASH/ASPC/NMA/PCNA guideline for the prevention, detection, evaluation, and management of high blood pressure in adults. J Am Coll Cardiol. 2018;71(19):e127–e248. DOI: 10.1016/j.jacc.2017.11.006
  3. [3]Muntner P, Carey RM, Gidding S, et al. Potential US population impact of the 2017 ACC/AHA high blood pressure guideline. Circulation. 2018;137(2):109–118. DOI: 10.1161/CIRCULATIONAHA.117.032582
  4. [4]Boorse C. Health as a theoretical concept. Philos Sci. 1977;44(4):542–573. DOI: 10.1086/288768
  5. [5]Wakefield JC. The concept of mental disorder: on the boundary between biological facts and social values. Am Psychol. 1992;47(3):373–388. DOI: 10.1037/0003-066X.47.3.373
  6. [6]Kleinman A. The illness narratives: suffering, healing, and the human condition. New York: Basic Books; 1988.
  7. [7]Parsons T. The social system. Glencoe (IL): Free Press; 1951.
  8. [8]Cosgrove L, Krimsky S, Vijayaraghavan M, Schneider L. Financial ties between DSM-IV panel members and the pharmaceutical industry. Psychother Psychosom. 2006;75(3):154–160. DOI: 10.1159/000091772
  9. [9]Cosgrove L, Krimsky S. A comparison of DSM-IV and DSM-5 panel members’ financial associations with industry: a pernicious problem persists. PLoS Med. 2012;9(3):e1001190. DOI: 10.1371/journal.pmed.1001190
  10. [10]Nejstgaard CH, Bero L, Hróbjartsson A, et al. Association between conflicts of interest and favourable recommendations in clinical guidelines, advisory committee reports, opinion pieces, and narrative reviews: systematic review. BMJ. 2020;371:m4234. DOI: 10.1136/bmj.m4234
  11. [11]Drescher J. Out of DSM: depathologizing homosexuality. Behav Sci (Basel). 2015;5(4):565–575. DOI: 10.3390/bs5040565
  12. [12]Reed GM, First MB, Billieux J, et al. Emerging experience with selected new categories in the ICD-11: complex PTSD, prolonged grief disorder, gaming disorder, and compulsive sexual behaviour disorder. World Psychiatry. 2022;21(2):189–213. DOI: 10.1002/wps.20960
  13. [13]Moynihan R, Heath I, Henry D. Selling sickness: the pharmaceutical industry and disease mongering. BMJ. 2002;324(7342):886–891. DOI: 10.1136/bmj.324.7342.886
  14. [14]Rubino F, Cummings DE, Eckel RH, et al. Definition and diagnostic criteria of clinical obesity. Lancet Diabetes Endocrinol. 2025;13(3):221–262. DOI: 10.1016/S2213-8587(24)00316-4
  15. [15]United States Congress. Orphan Drug Act, Pub L No. 97-414 (1983), as amended. 21 U.S.C. §§ 360bb–360cc.
  16. [16]European Parliament and Council of the European Union. Regulation (EC) No 141/2000 of 16 December 1999 on orphan medicinal products. Off J Eur Communities. 2000;L18:1–5.
  17. [17]WHO Expert Consultation. Appropriate body-mass index for Asian populations and its implications for policy and intervention strategies. Lancet. 2004;363(9403):157–163. DOI: 10.1016/S0140-6736(03)15268-3
  18. [18]Inker LA, Eneanya ND, Coresh J, et al. New creatinine- and cystatin C–based equations to estimate GFR without race. N Engl J Med. 2021;385(19):1737–1749. DOI: 10.1056/NEJMoa2102953
  19. [19]Cartwright SA. Report on the diseases and physical peculiarities of the negro race. New Orleans Med Surg J. 1851 May:691–715.
  20. [20]van Voren R. Political abuse of psychiatry: an historical overview. Schizophr Bull. 2010;36(1):33–35. DOI: 10.1093/schbul/sbp119
  21. [21]Keller RC. Colonial madness: psychiatry in French North Africa. Chicago: University of Chicago Press; 2007.
  22. [22]Fanon F. The wretched of the earth. Farrington C, translator. New York: Grove Press; 1963.
  23. [23]Lee S, Ho TP, Hsu LKG. Fat phobic and non-fat phobic anorexia nervosa: a comparative study of 70 Chinese patients in Hong Kong. Psychol Med. 1993;23(4):999–1017. Available from: cambridge.org
  24. [24]Watters E. Crazy like us: the globalization of the American psyche. New York: Free Press; 2010.
  25. [25]Lim A, Hoek HW, Ghane S, Deen M, Blom JD. The attribution of mental health problems to jinn: an explorative study in a transcultural psychiatric outpatient clinic. Front Psychiatry. 2018;9:89. DOI: 10.3389/fpsyt.2018.00089
  26. [26]Summerfield D. Afterword: against “global mental health”. Transcult Psychiatry. 2012;49(3–4):519–530. DOI: 10.1177/1363461512454701
  27. [27]Demyttenaere K, Bruffaerts R, Posada-Villa J, et al. Prevalence, severity, and unmet need for treatment of mental disorders in the World Health Organization World Mental Health Surveys. JAMA. 2004;291(21):2581–2590. DOI: 10.1001/jama.291.21.2581
  28. [28]Karam EG, Mneimneh ZN, Dimassi H, et al. Lifetime prevalence of mental disorders in Lebanon: first onset, treatment, and exposure to war. PLoS Med. 2008;5(4):e61. DOI: 10.1371/journal.pmed.0050061
  29. [29]Altwaijri YA, Al-Subaie AS, Al-Habeeb A, et al. Lifetime prevalence and age-of-onset distributions of mental disorders in the Saudi National Mental Health Survey. Int J Methods Psychiatr Res. 2020;29(3):e1836. DOI: 10.1002/mpr.1836
  30. [30]Callard F, Perego E. How and why patients made Long Covid. Soc Sci Med. 2021;268:113426. DOI: 10.1016/j.socscimed.2020.113426
  31. [31]Banerjee D, Mukhopadhyay S, Rabheru K, Ivbijaro G, de Mendonca Lima CA. Not a disease: a global call for action urging revision of the ICD-11 classification of old age. Lancet Healthy Longev. 2021;2(10):e610–e612. DOI: 10.1016/S2666-7568(21)00201-4

البدايات · albidayat.com · الحوكمة والسلطة

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *