نشرت مجلة (Nature Medicine) نتائج أول تجربة سريرية تُزرع فيها خلايا مشتقة من خلايا جذعية محفزة داخل نخاع شوكي بشري. أجراها فريق من جامعة كيو في طوكيو بإشراف هيديوكي أوكانو (Hideyuki Okano). شارك في التجربة أربعة رجال بين السادسة والعشرين والسادسة والستين. أصيب كل منهم بسقوط أدى إلى شلل رباعي كامل، أي إصابة في النخاع الرقبي لا تعبرها حركة ولا إحساس إلى ما تحتها. حُقن كل مريض بمليوني خلية عصبية سلفية في بؤرة الإصابة مباشرة بإبرة موجهة بالموجات فوق الصوتية أثناء الجراحة. وقد اختار الفريق البحثي والعلاجي حقن الخلايا بين اليوم الخامس عشر والسابع والعشرين من الإصابة لرفع نسبة نجاح عملية الزراعة.
ولأنها تجربة في مرحلتها الأولى فقد كانت السلامة هدفها المعلن. يقرر القائمون عليها أنه خلال متابعة امتدت بين سنتين وأربع سنوات لم يظهر أي ورم، ولم تُسجل أي مضاعفة خطيرة تُنسب إلى الخلايا. أما التحسن الحركي فبلغ وسيطه 13 نقطة بعد سنة، وارتقى مريضان من الدرجة الأشد إلى درجة أخف في مقياس الإعاقة. الرقم الأخير هو ما تصدر التغطية، لكنه يحتاج إلى تمحيص أكثر.
سنوات من العمل على مشكلة واحدة
بدأ فريق كيو زرع الخلايا العصبية في نخاع حيوانات التجارب مطلع الألفية. وحين ظهرت الخلايا الجذعية المحفزة عام 2007، وهي خلايا بالغة تُعاد برمجتها لتستعيد قدرتها على التحول إلى أي نوع من الأنسجة، انتقل الفريق إليها سريعاً، ونشر أول دليل على تحسن الحركة في الفئران عام 2011.
ثم ظهرت المشكلة! أفاد الفريق عام 2015 أن سلالة بعينها من الخلايا تُنتج بعد أشهر من الزرع تكاثراً شبيهاً بالورم، يسبقه تحسن ثم يعقبه تدهور سريع في الحركة. استغرق الوصول إلى الحل ثلاث أوراق متتابعة كشفت عن آلية ذلك التكاثر وكيفية الحد منه. داخل كل خلية سلفية مسار كيميائي اسمه نوتش (Notch) وظيفته أن يبقيها في حالة انقسام مستمر ويؤجل نضجها. فإذا عولجت الخلايا قبل الحقن بأربع وعشرين ساعة بمادة توقف هذا المسار، خرجت من طور الانقسام واتجهت إلى النضج العصبي، فلم يبق فيها ما يتكاثر بعد الزرع، واختفى التكاثر الشاذ.[2] ثم جاءت الورقة الثالثة لتحدد أصل المشكلة. لم يكن الخلل في بقايا خلايا جذعية عالقة لم تتمايز، وإنما في نمط مثيلة الحمض النووي (DNA methylation)، وهي علامات كيميائية توضع على الجينات فتحدد أيها يعمل وأيها يصمت من دون أن تمس الشيفرة الوراثية نفسها. وجد الباحثون أن هذا النمط ينحرف كلما زاد عدد مرات تمرير الخلايا في المزرعة، أي أن خطورة السلالة تراكمت مع الإكثار ولم تكن كامنة فيها منذ نشأتها.[3] وقد انتقلت خطوة المعالجة تلك من المختبر إلى بروتوكول التجربة البشرية دون تغيير، وكانت آخر معالجة تعرضت لها الخلايا قبل دخولها جسد المرضى الأربعة.
لماذا يهمنا
بدأ زرع الخلايا في النخاع الشوكي قبل عقدين، وتقرر الورقة نفسها أن محاولات عديدة أثبتت الجدوى والسلامة، لكن أياً منها لم يُثبت فعالية تتعلق بتحسن في درجة الإعاقة. الجديد هنا كان مصدر الخلايا: أُنتجت من خلايا جذعية محفزة، تُصنع بإعادة برمجة خلية بالغة، وهي عملية قد تُحدث تغيرات لا يمكن التنبؤ بها من سلالة إلى أخرى، كما بينت تجربة الفريق نفسه. ولذلك فإن إثبات أن منتجاً من هذا المصدر يمكن ضبطه بما يكفي لإدخاله نخاعاً بشرياً ثم مراقبته سنوات دون ورم هو نتيجة قائمة بذاتها، بصرف النظر عن أي أثر علاجي.
كيف نقرأ الرقم
الرقم 13 وسيط تحسن في درجة حركية محصلتها مئة نقطة، خمسون للذراعين وخمسون للساقين، تُقاس بفحص بدني موحد يجري على سرير المريض. مداه يمتد من 10 إلى 40، والمدى وحده يستدعي التوقف، فالفارق بين أدنى مريض وأعلاه أربعة أضعاف. تتضح الصورة بفصل الطرفين: كسب المرضى الأربعة في الذراعين 12 و12 و9 و10 نقاط، أي أرقاماً متقاربة، أما في الساقين فكسب أحدهم 31 نقطة وكسب الثلاثة الباقون نقطتين بينهم جميعاً.
تحتاج هذه الأرقام إلى مرجع خارجي يفصل بين تحسن ناتج عن الخلايا وتحسن تلقائي يحدث لكثير من هؤلاء المرضى. في دراسة منشورة عام 2011، حُللت بيانات 426 مصاباً بإصابة رقبية كاملة لم يتلقوا أي علاج تجريبي، فتبين أن متوسط التحسن التلقائي في الذراعين خلال السنة الأولى يبلغ 10 إلى 11 نقطة، وأنه لا يتوقف على المستوى الحركي للإصابة عند البداية.[4] أي أن مكاسب الذراعين لدى المرضى الأربعة تقع كلها داخل نطاق ما يحدث من دون أي تدخل، والفائض كله في ساقي المريض الثالث.
جواب السؤال عما ميز هذا المريض في جدول بيانات الورقة نفسها. دخل التجربة مصنفاً بإصابة كاملة، لكن درجة ساقيه عند البداية كانت 8 من 50 بينما كانت صفراً عند الثلاثة الآخرين، ورصد الفحص لديه حركة إرادية تصل إلى أدنى عضلة يشملها. ومعنى ذلك تشريحياً أن ألياف حركية نازلة نجت من الإصابة ووصلت إلى أسفل النخاع، وأن الحبل كان وظيفياً على حافة التصنيف الأخف. وأهمية هذه العلامة مثبتة في أدبيات مستقلة: وجدت دراسة نشرت عام 2025 أن المصابين المصنفين بإصابة كاملة الذين تظهر لديهم يتحولون تلقائياً إلى التصنيف الأخف بنسبة 42.9% مقابل 13.1% لمن لا تظهر لديهم، أي أكثر من ثلاثة أضعاف الاحتمال الأساسي.[5]
كانت هذه المعلومة في ملف المريض يوم فحصه لأنها جزء من الفحص القياسي، لكنها لم تُستخدم شرطاً للقبول ولا عاملاً للمطابقة. وحين يكون عدد المرضى أربعة فإن دخول مريض واحد بهذه المواصفات كاف لتحديد نتيجة التجربة كلها. ليس في ذلك مأخذ على الباحثين، فلا يمكن مطابقة أربعة مرضى، لكنه سبب كاف لعدم قراءة الرقم 13 على أنه أثر علاجي حقيقي بمعزل عن التحسن التلقائي.

مشكلة المقارنة
لم يكن في التجربة مجموعة ضابطة، فاستعان الباحثون بسجل ياباني لإصابات النخاع الشوكي، صُفي منه اثنان وخمسون مريضاً وفق معايير التجربة قدر ما سمحت به بيانات السجل. وهي مقاربة مشروعة ومعتادة، وهي أيضاً أضعف حلقة في أي دراسة تستخدمها. تكمن الفجوة الأساسية هنا في معايير الاستبعاد. استبعدت التجربة، بناءً على نتائج الرنين المغناطيسي، المصابين الذين انقطع نخاعهم أو تعددت مستويات إصابتهم، وهؤلاء هم من لا يتعافون تلقائياً. أما السجل الياباني فلم يحتفظ ببيانات الرنين المغناطيسي، فتعذر استبعادهم منه وبقوا في المقارنة. وقد تحلى الباحثون بشفافية كافية ليوضحوا هذا النقص.
ما لم تُثبته الدراسة
يبقى القيد الأكبر، وقد ذكره الباحثون في مقدمة تحفظاتهم: لا يوجد دليل مباشر على أن الخلايا نجت أصلاً. فالتحقق من ذلك يقتضي أخذ عينة نسيجية من النخاع الشوكي، وهو إجراء لا يُجرى على إنسان حي، لأن النخاع لا يتجدد وأي مسار إبرة فيه أذى دائم. لذلك اقتصرت المراقبة على التصوير، وجاء سليماً.
غير أن التصوير نفسه لم يكن كاملاً. فالمرضى الأربعة خضعوا قبل التحويل إلى كيو لجراحة تثبيت تركت معادن في موضع الإصابة، وهذه المعادن تُشوه الصورة حولها. تقول الورقة إن ذلك حجب الإشارة في عدة صور، وجعل بعض تقنيات التصوير الدقيقة غير ممكنة أصلاً. فغياب الورم إذن مثبت على مستوى التصوير فقط، في منطقة مشوشة جزئياً. وهي نتيجة معتبرة، لكنها لا تعادل تأكيد غياب تكاثر الخلايا على المستوى المجهري.
الخطوة القادمة
تحدد الورقة في تحفظاتها أول ما يعوز هذا الحقل: طرق تقيس بقاء الخلايا ووظيفتها مباشرة داخل النخاع البشري. تلك فجوة منهجية لا تخص هذه التجربة وحدها. أما الفجوة الثانية ففي التصميم. لم تُجر في هذا المجال قط تجربة عشوائية بحجم يكفي لرصد أثر معقول، وقد حسبت الدراسة المرجعية العدد المطلوب: نحو 175 مريضاً في كل ذراع لرصد تفوق مقداره نقطتان. أما هذه التجربة فضمت أربعة مرضى بلا ذراع ضابطة.
اليابان من أكثر الدول تيسيراً لمنتجات الطب التجديدي، إذ تتيح مساراً يسمح بتسويق المنتج بناءً على السلامة واحتمال المنفعة على أن تُثبت الفعالية لاحقاً. وقد أُجيز بهذا المسار عام 2018 علاج خلوي لإصابات النخاع الشوكي استناداً إلى دراسة غير مضبوطة ضمت ثلاثة عشر مريضاً، وهي سابقة انتُقدت على نطاق واسع.
على هذه الخلفية تكتسب اللغة المتحفظة التي كُتبت بها الورقة معنى أعمق من الأرقام التي نشرتها. فهي تقول صراحة إن التحسن لا يمكن نسبته إلى العلاج، وإن بيانات السجل لا تُثبت علاقة سببية، وإن التعافي التلقائي لا يمكن استبعاده، وإن ميزة هذه العلاجات لا تكمن في فعالية سريرية مبكرة وإنما في استقرار إمدادها وقابليتها للتصنيع الواسع. هذه لغة نادرة في أدبيات العلاجات الخلوية، ومن مؤلفين لهم مصلحة معلنة في المنتج. وهي، بعد نتيجة السلامة نفسها، أهم ما في الورقة: تجربة صغيرة بلغت غايتها، وامتنعت عن ادعاء ما لم تقسه.
- 1 Sugai K, Tsuji O, Fujiyoshi K, et al. An iPSC-derived neural progenitor cell therapy for subacute spinal cord injury: a phase 1 trial with long-term follow-up. Nat Med. 2026. DOI: 10.1038/s41591-026-04549-6
- 2 Okubo T, Iwanami A, Kohyama J, et al. Pretreatment with a γ-secretase inhibitor prevents tumor-like overgrowth in human iPSC-derived transplants for spinal cord injury. Stem Cell Rep. 2016;7(4):649–663. DOI: 10.1016/j.stemcr.2016.08.015
- 3 Iida T, Iwanami A, Sanosaka T, et al. Whole-genome DNA methylation analyses revealed epigenetic instability in tumorigenic human iPS cell-derived neural stem/progenitor cells. Stem Cells. 2017;35(5):1316–1327. DOI: 10.1002/stem.2581
- 4 Steeves JD, Kramer JK, Fawcett JW, et al. Extent of spontaneous motor recovery after traumatic cervical sensorimotor complete spinal cord injury. Spinal Cord. 2011;49(2):257–265. DOI: 10.1038/sc.2010.99
- 5 Kirshblum S, Snider B, Botticello A, et al. The role of motor zones of partial preservation in conversion from initially complete to motor incomplete spinal cord injury. Arch Phys Med Rehabil. 2025;106(7):1053–1063. DOI: 10.1016/j.apmr.2025.01.473
البدايات · albidayat.com · قراءات

